الإثنين , أغسطس 10 2026 | 1:40 ص
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / 3999 دونمًا بين حق المواطن ومشروع الدولة نعم للسكة الحديدية… ولا لتنميةٍ يكون المواطن ضحيتها

3999 دونمًا بين حق المواطن ومشروع الدولة نعم للسكة الحديدية… ولا لتنميةٍ يكون المواطن ضحيتها

فيلادلفيا نيوز

بقلم: د. عبدالرحمن الهندي

 

لا أحد يختلف على حاجة الأردن إلى مشاريع وطنية كبرى تعزز اقتصاده وتدعم التنمية وتفتح آفاقًا جديدة أمام الأجيال القادمة، ومن بينها مشروع السكة الحديدية الذي يمكن أن يشكل رافعة مهمة للنقل والاقتصاد والاستثمار.

لكن دعم المشروع لا يعني بأي حال من الأحوال أن نقبل بأن يدفع المواطن ثمن التنمية من أرضه وحقوقه.

وهنا تبرز قضية الأراضي في الأغوار الجنوبية، حيث تتحدث التقارير الأخيرة عن تأثر ما يقارب 3999 دونمًا من أراضي المواطنين بمسار المشروع.

وهذا الرقم ليس مجرد مساحة على خارطة.

وراء كل دونم عائلة، ووراء كل قطعة أرض سنوات من العمل والاستثمار، وحقوق قانونية، ومصدر رزق، وارتباط بالأرض لا يمكن اختزاله في أرقام أو جداول.

المشكلة ليست في السكة… وإنما في طريقة التعامل مع المواطن

أنا شخصيًا لست ضد مشروع السكة الحديدية، بل أرى أن الأردن بحاجة إلى مشاريع استراتيجية من هذا النوع.

لكنني في الوقت نفسه أرفض أن تتحول “المنفعة العامة” إلى مبرر لانتقاص حقوق الملكية الخاصة دون ضمانات حقيقية وعادلة.

فإذا كانت الدولة بحاجة إلى أرض المواطن لتنفيذ مشروع عام، فإن ذلك يجب أن يتم وفق القانون، وبما يحفظ حق المواطن في التعويض العادل عن أرضه وعن الأضرار التي يمكن أن تلحق به نتيجة الاستملاك.

والتعويض العادل لا ينبغي أن ينظر فقط إلى قيمة الجزء الذي تم استملاكه.

ماذا عن الأرض التي تتجزأ بسبب مسار السكة؟

ماذا عن انخفاض قيمة الجزء المتبقي؟

ماذا عن صعوبة الوصول إلى الأرض أو استثمارها؟

ماذا عن الضرر الذي قد يلحق بالإنتاج الزراعي؟

هذه كلها أسئلة مشروعة يجب أن تكون حاضرة على طاولة المسؤول قبل أن تبدأ الآليات بالعمل على الأرض.

هل المواطن هو الحلقة الأضعف؟

هنا يأتي السؤال الأهم:

إذا كان المشروع وطنيًا، وإذا كانت الدولة هي التي تنفذه، وإذا كانت فائدته ستعود على الاقتصاد والمجتمع، فلماذا يتحمل المواطن وحده جزءًا من كلفته من خلال فقدان أرضه أو انخفاض قيمتها؟

الدولة القوية ليست التي تستطيع أخذ أرض المواطن، وإنما الدولة القوية هي التي تستطيع أن تنفذ مشاريعها الكبرى وفي الوقت نفسه تحافظ على ثقة مواطنيها وحقوقهم.

ولهذا فإنني أعتقد أن قضية الأغوار الجنوبية يجب ألا تتحول إلى مواجهة بين المواطن والدولة.

المواطن ليس ضد الدولة.

والمزارع ليس ضد التنمية.

وأصحاب الأراضي ليسوا ضد السكة الحديدية.

إنما هم يطالبون بأن تكون التنمية عادلة.

وماذا عن مجلس النواب؟

هنا لا بد من التوقف أمام دور مجلس النواب.

النائب الذي يصل إلى قبة البرلمان يصل إليها بأصوات المواطنين، ولذلك فإن مسؤوليته الأولى أن يكون صوتهم وأن يحمي مصالحهم وحقوقهم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالملكية الخاصة.

مجلس النواب ليس دوره أن يوافق على ما تقدمه الحكومة فقط، وإنما دوره التشريع والرقابة والمساءلة وتحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق المواطنين.

ولهذا فإنني أرى أن على مجلس النواب أن يكون أكثر حضورًا في هذه القضية، وأن يستمع مباشرة إلى أصحاب الأراضي، وأن يطلب من الحكومة كل التفاصيل المتعلقة بالمسار ومساحات الأراضي المتأثرة وآلية الاستملاك والتعويض.

وإذا كان هناك نص قانوني يمكن أن يؤدي إلى انتقاص حق المواطن، فمن واجب المجلس أن يراجعه ويصححه.

القوة السياسية ليست في التمسك بقرار سابق، وإنما في القدرة على تصحيح القرار عندما تظهر آثاره على المواطنين.

سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة

هناك سؤال أعتقد أنه يجب أن يطرح بكل صراحة:

إذا كانت الحكومة مستعدة لتعويض أصحاب الأراضي أو توفير أراضٍ بديلة لهم، فلماذا نحتاج إلى أي تفسير أو تعديل قانوني يمكن أن يفهم منه السماح بالاستملاك دون تعويض؟

هذا السؤال ليس تشكيكًا في الدولة، وإنما مطالبة بالوضوح.

والمواطن من حقه أن يعرف:

كم مساحة الأرض التي سيتم استملاكها من كل مواطن؟

كيف سيتم تقدير قيمة الأرض؟

من سيحدد قيمة التعويض؟

هل سيشمل التعويض الأضرار الناتجة عن تجزئة الأرض؟

هل سيكون للمواطن حق الاعتراض والطعن؟

وهل ستكون هناك خيارات حقيقية للأرض البديلة لمن يرغب بها؟

التنمية لا تعني التضحية بالمواطن

لقد تغير مفهوم التنمية في العالم.

التنمية الحديثة لا تقاس بعدد المشاريع التي تنفذها الدولة فقط، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الإنسان وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

ولا أعتقد أن الأردن، وهو دولة قانون ومؤسسات، يريد أن يرى مواطنًا يشعر بأنه خسر أرضه لأن مشروعًا وطنيًا مر من خلالها.

بل أعتقد أن الدولة قادرة على تحقيق المعادلتين معًا:

تنفيذ المشروع وحماية المواطن.

وهذا ليس مستحيلًا.

فإذا كان مسار السكة يحتاج إلى أراضي المواطنين، فليكن الاستملاك وفق قواعد عادلة وشفافة، وليكن التعويض منصفًا، ولتُراعَ الأضرار كافة، وليُفتح الباب أمام الأرض البديلة عندما تكون الخيار الأفضل.

رسالتي إلى الحكومة ومجلس النواب

رسالتي ليست ضد مشروع السكة الحديدية، بل على العكس، أنا مع المشروع إذا كان يخدم الأردن ومستقبله.

لكنني أقول للحكومة:

نفذوا مشاريعكم، ولكن لا تجعلوا المواطن يدفع ثمنها من حقوقه.

وأقول لمجلس النواب:

كونوا صوت المواطن، لا صدى الحكومة.

استمعوا إلى أصحاب الأراضي، ناقشوا القضية بجدية، راجعوا النصوص، واطلبوا الضمانات التي تكفل للمواطن حقه.

فالمواطن الذي منح ثقته للنائب يريد أن يرى هذه الثقة في موقف واضح عندما تتعرض حقوقه للاختبار.

وفي النهاية…

إن قضية 3999 دونمًا ليست قضية أرقام.

إنها قضية مبدأ.

هل نستطيع أن نبني الأردن الحديث بمشاريع كبرى، وفي الوقت نفسه نحافظ على حقوق المواطن؟

هل نستطيع أن نوسع شبكة النقل ونطور الاقتصاد دون أن يشعر مواطن بأن التنمية جاءت على حسابه؟

أنا أؤمن أننا نستطيع.

لكن بشرط واحد:

أن تكون العدالة جزءًا من التنمية، وليست ضحية لها.

لذلك أقولها بوضوح:

نعم للسكة الحديدية.
نعم للتنمية.
نعم للمشاريع الوطنية.
لكن نعم أيضًا لحق المواطن في أرضه، وفي التعويض العادل، وفي أن يشعر بأن الدولة التي ينتمي إليها تحميه ولا تتركه وحيدًا أمام قوة المشروع.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com