فيلادلفيا نيوز
الدكتور محمد رسول الطراونة
في ذاكرة الغناء العربي، كانت الجسور شهوداً على أروع مشاعر الإنسان؛ تحمل همسات العشاق وتخبئ دموع المفارقين، فعلى ضفاف بيروت، وقف جسر اللوزية ملاذاً للأرواح المتعطشة للحياة، فتغنت به فيروز: “على جسر اللوزية.. تحت وراق الفيّة، هبّ الغربي وطاب النوم وأخدتني الغفوية” وفي العراق، صار جسر المسيب مسرحاً لأغنية ناظم الغزالي الخالدة ” ميحانة ميحانة “، حيث تغنّى بلهفة الفتاة الفاقدة حبيبها “وعلى جسر المسيب سيبوني، عافت عيوني النوم.. بعدك حبيبي العين ذبلانه” فجسر المسيب لم يكن مجرد خشب وحجارة، بل صار رمزاً للذكرى الموجعة والحب الضائع.
أما في قلب عمان، فيقف جسر عبدون شامخاً يربط جنوب العاصمة بشمالها، مؤدياً وظيفة مرورية حيوية، لكن للأسف، تحول هذا الصرح الهندسي إلى مسرح لمشاهد مؤلمة ومتكررة، فبات مقصداً لمن يريدون إنهاء حياتهم أو وسيلة ضغط احتجاجية، إنها مفارقة قاسية: جسر اللوزية يحتضن العشاق، وجسر المسيب يبكي الفراق، أما جسر عبدون فيصمت أمام صراخ المنتحرين، هذه الظاهرة تطرح تساؤلات حارقة: ما الأسباب التي تدفع الشباب، رمز الحياة والبناء، إلى التفكير في إنهاء حياتهم؟ وكيف يمكن للمجتمع والأسرة والدولة أن تلعب دوراً في الوقاية؟
لفهم هذه الظاهرة، لا بد من الغوص في الأعماق النفسية والاجتماعية، اذ تشير الدراسات إلى أن نحو 90% من حالات الانتحار تعود لأسباب نفسية، وعلى رأسها الاكتئاب الحاد وفقدان الأمل، إضافة إلى اضطرابات القلق المزمن وتعاطي المخدرات، أما على الصعيد الاجتماعي، فتتداخل عوامل خانقة: بطالة تتجاوز20% بين الشباب الأردني، وديون متراكمة، وخلافات أسرية، وفشل عاطفي، وضغوط أكاديمية، وفجوة هائلة بين الواقع المتواضع والصورة المزيفة على وسائل التواصل، مما يعمق الشعور بالفشل والدونية.
ولماذا جسر عبدون تحديداً؟ هناك عوامل تجعله جاذباً لهذه المآسي: أولها، التواجد الإعلامي والضجة التي تضمن وصول الرسالة الاحتجاجية، ثانيها، ظاهرة التقليد الأعمى؛ فكل حادثة تُبث تزرع الفكرة في عقول آخرين، ثالثها، سهولة الوصول وعلوّه الشاهق الذي يكفل الموت الفوري، فضلاً عن جمال المكان الذي قد يمنح، كما يرى بعض المختصين، لحظة سلام داخلي زائف قبل الفعل المأسوي، ذلك السلام الذي لا تعرفه حكايات اللوزية ولا المسيب.
تبدأ الوقاية الحقيقية من المنزل والمدرسة عبر الكشف المبكر للعلامات التحذيرية: الانسحاب من الأصدقاء، تغير أنماط النوم والأكل، الإهمال في المظهر، والحديث المتكرر عن الموت واليأس، ومن المفارقات الخطيرة أن بعض المنتحرين يمرون بفترة هدوء نفسي قبل أيام من تنفيذ الفعل، تُعرف بـ “هدوء ما قبل العاصفة”، مما يضلل الأهل ويجعلهم يظنون تحسّن الأمور بينما هم في مرحلة الخطر الأكبر.
مسؤولية وقف هذه المأساة تقع على الجميع، أسرياً، يجب فتح قنوات تواصل صادقة، وتشجيع الأبناء على طلب المساعدة النفسية وإزالة الوصمة الاجتماعية، وطنيّاً، يجب استحداث خط ساخن للدعم النفسي على مدار الساعة، وتدريب الكوادر التعليمية والأمنية، إعلامياً، لا بد من وضع مدونة سلوك تمنع التفاصيل الصادمة لتجنب “تأثير الانتحار العدواني، وهندسياً، يظل الخيار الأنسب هو تركيب حواجز أمان شبكية على جانبي الجسر، مع زيادة كاميرات المراقبة والدوريات للتدخل السريع.
في النهاية، يبقى جسر عبدون مجرد جسر من حديد وأسمنت، لكن ما يحدث عليه مرآة قاسية تعكس أزمة مجتمع بكامله، بينما تغني فيروز للوزية كملاذ للحب، وينتحب الغزالي على المسيب باكياً فراق الأحبة، يصرخ جسر عبدون بألم شباب أضاعوا الطريق إلى الحياة. إن إنقاذ شاب واحد من على هذا الجسر هو إنقاذ لمستقبل أمة، فلنعمل جميعاً على نشر ثقافة الأمل، وتوفير الملاذات الآمنة، وبناء جسور حقيقية من الحب والتفاهم في قلوب شبابنا قبل أن نبنيها على الأرض، تذكروا أن طلب المساعدة قوة وليس ضعفاً، وأن الحياة تستحق أن تُعاش، فكل يوم جديد هو فرصة لتغيير المسار، وكل جسر يمكن أن يتحول من معبر للرحيل إلى بوابة للحياة.
أمين عام المجلس الصحي العالي الأسبق
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ