الأربعاء , مايو 13 2026 | 10:53 م
آخر الاخبار
الرئيسية / stop / الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : قراءة نقدية في ازدواجية المنهج عند المؤرخ الدكتور علي آل قطب

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : قراءة نقدية في ازدواجية المنهج عند المؤرخ الدكتور علي آل قطب

فيلادلفيا نيوز

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

حين يقرأ الباحث أعمال المؤرخ الدكتور علي آل قطب قراءة متصلة لا مجتزأة، ويضع كتابه تاريخ الملك العسيري إلى جانب كتابه الفقيه والسلطة، فإنه لا يقف أمام خلاف في الوقائع، ولا نقص في المصادر، ولا قصور في التوثيق، وإنما يقف أمام إشكال أعمق وأخطر، وهو اختلاف زاوية قراءة الوقائع نفسها، أو ما يمكن تسميته بازدواجية المنهج في تفسير المادة التاريخية الواحدة.

 

فالمؤلف نفسه الذي أثبت في كتاب الملك العسيري أن جنوب الجزيرة العربية لم يكن مجرد مسرح لصراع مذهبي، ولا ساحة لعلاقة ملتبسة بين الفقيه والأمير، وإنما كان ساحة مواجهة مفتوحة ضد مشروع التوسع المصري–العثماني بقيادة محمد علي باشا، عاد في الفقيه والسلطة ليعيد تشكيل المشهد التاريخي في كثير من المواضع وكأن الشخصيات العلمية والسياسية في عسير والمخلاف السليماني كانت تتحرك في إطار علاقة سلطوية محضة، أو في إطار جدل فقهي وسياسي داخلي، مع تراجع واضح لسياق التحرير والمقاومة الذي كان في الحقيقة المسرح الأكبر الذي أنتج تلك المواقف والقرارات والتحالفات.

 

وحين نرجع إلى الملك العسيري نجد أن المؤلف نفسه أورد نصوصًا صريحة لا تقبل التأويل، تثبت أن قادة من الأشراف كانوا في قلب المعركة العسكرية، لا في هامشها، فقد ذكر صراحة محمد بن عون وهزاع بن عون، ثم نقل النص الواضح: «واستخلف ابن عون على بلاد عسير أميرًا…»، ثم أورد العبارة الحاسمة: «وأميرهم من الأشراف راجح…»، ثم جاء النص العسكري المباشر: «فصرخ في الأتراك والعرب…».

 

وهذه العبارات في لغة المؤرخين ليست لغة شرف اجتماعي أو حضور بروتوكولي، وإنما لغة قيادة ميدانية وتحشيد قبلي ومباشرة للمعركة. فهي تثبت أن قادة من الأشراف كانوا يقودون القبائل في جنوب الجزيرة العربية ضد القوات المصرية–العثمانية، وأن القبائل لم تكن تتحرك وحدها، بل ضمن مشروع مقاوم تقوده شخصيات هاشمية ذات شرعية سياسية وميدانية.

 

ثم جاءت الوثائق التاريخية الأخرى — التي لم يختلف عليها أهل الاختصاص — لتوسع هذه الصورة، وتكشف أن دور قادة الأشراف في تحرير الجنوب لم يكن مقتصرًا على من ذكرهم الملك العسيري، بل امتد إلى شخصيات مثل علي بن غالب وراجح بن عمرو وسالم الشبلي ومنديل بن أبي طالب، ممن حزبوا القبائل الجنوبية، وجيشوا العرب، وكتبوا الرسائل، وقادوا التعبئة العامة ضد القوات الغازية.

 

وهذه الوثائق لا تقدم لنا مجرد أسماء، وإنما تقدم لنا صورة واضحة لمشروع مقاومة واسع شاركت فيه القبائل، وتحركت فيه القيادات الأشرفية من الحجاز إلى عسير والمخلاف، حتى أصبح الجنوب كله في حالة تعبئة ضد التمدد المصري–العثماني.

وهنا يبرز السؤال المنهجي الذي لا يمكن تجاوزه: إذا كان المؤلف نفسه قد أثبت في الملك العسيري هذا الحضور العسكري لقادة الأشراف، وأثبت أنهم كانوا يحركون القبائل، ويخوضون المعارك، ويواجهون “الترك” في الميدان، فلماذا تراجع هذا العامل التفسيري أو كاد يغيب في الفقيه والسلطة؟ ولماذا أعيد تقديم شخصيات العلماء والأمراء وكأنهم يتحركون في فراغ سياسي، أو داخل منظومة علاقة سلطوية مجردة، لا داخل ساحة حرب ومقاومة ضد احتلال أجنبي؟

وهنا لا يتوقف الإشكال عند عسير وحدها، بل يمتد بصورة أوضح إلى شخصية الشريف حمود بن محمد أبو مسمار ووزيره الإمام المجتهد الشريف الحسن بن خالد الحازمي، فعند قراءة الفقيه والسلطة نجد أن حضورهما يأتي غالبًا في سياق النفوذ السياسي، والمكاتبات، والتحالفات، والعلاقة بالدعوة، والخلاف مع بعض القوى المحلية، بينما يغيب أو يتراجع العامل الأكبر الذي يفسر كل ذلك، وهو أنهما كانا يقودان حرب دفاع عن وطنهما وأرضهما ورعيتهما ضد قوة غازية أجنبية.

 

فالوثائق العثمانية نفسها — وهي وثائق الخصم لا وثائق الأنصار — تكشف صورة مختلفة تمامًا عن الإمام الحازمي؛ إذ تصرح بأن نصف رجال رجال ألمع كانوا تحت نفوذه، وأنه استطاع أثناء المعركة أن يستميل النصف الآخر، وأنه قاد المواجهة بنفسه، وأن حملات الدولة العثمانية انهزمت أمامه، وأن اسمه لم يبق في تقارير الميدان، بل ارتفع إلى مراسلات ولاة مكة المكرمة، ثم إلى مكتب الصدر الأعظم، ثم إلى السلطان محمود الثاني نفسه، حتى ورد في رسائل الدولة أن أمن الحرمين الشريفين بات مرتبطًا بوقف نفوذ الحازمي ومنع امتداده. بل تجاوز الأمر ذلك إلى طلب فتوى من منصب شيخ الإسلام العثماني تبيح قتل الشريف حمود ووزيره الحازمي وأتباعهما.

 

فأي قراءة علمية يمكن أن تختزل رجلًا تصفه إمبراطورية كاملة بأنه خطر على أمن الحرمين، ثم تقدمه للقارئ مجرد رجل سلطة أو طرف في لعبة النفوذ؟ وأي منهج يستطيع أن يفصل بين قرارات هذا الرجل وتحالفاته ومراسلاته من جهة، وبين حقيقة أنه كان يدير معركة بقاء وسيادة ضد جيش غازٍ من جهة أخرى؟

 

بل إن حتى الجدل الذي أثير حول قضية الأمير طامي بن شعيب المتحمي، وما كتبه حفيد الإمام الحازمي مازن بن أحمد المهدي الحازمي في نقد رواية تسليمه، يكشف الإشكال نفسه؛ إذ إن كثيرًا من الروايات المتأخرة أُخذت في الفقيه والسلطة بوصفها مادة تحليل، بينما تجاهلت الوثائق المصرية والعثمانية المعاصرة التي لم تذكر أن الحازمي هو من قبض عليه، كما تجاهلت السياق العقلي والسياسي الذي يجعل من غير المنطقي أن يبايع أهل عسير الحازمي أميرًا عليهم بعد ذلك، أو أن يقاتل معه آل المتحمي أنفسهم ضد العثمانيين، لو كانوا يعتقدون أنه غدر بأميرهم.

 

ومن هنا يتضح أن الإشكال الحقيقي ليس في الوقائع، فالوقائع موجودة، والمصادر بين يدي المؤلف نفسه، والوثائق متاحة، والأسماء ثابتة، والنصوص واضحة، وإنما الإشكال في انتقائية توظيف الوقائع، وفي تبدل العدسة التي تقرأها. ففي الملك العسيري يظهر قادة الأشراف محررين للجنوب، ومحركين للقبائل، وصناعًا للميدان، ويظهر الأشراف آل خيرات بقيادة الشريف حمود ووزيره الإمام الحسن بن خالد جزءًا من معركة الدفاع عن الأرض والسيادة.

 

أما في الفقيه والسلطة فيتراجع هذا العامل الحاسم، ويعاد تشكيل المشهد داخل ثنائية الفقيه والسلطان، وكأن الحرب الكبرى التي صنعت تلك القرارات لم تكن موجودة أصلًا.

 

وهنا تتجلى ازدواجية المنهج بوضوح كامل: ليست في نقص المعلومات… بل في اختلاف زاوية قراءة المعلومات.

 

وليست في غياب الوثيقة… بل في تغييب دلالة الوثيقة. وليست في ندرة الوقائع… بل في إعادة ترتيب الوقائع بما يغير صورة المرحلة.

 

وحين تتبدل العدسة… يتبدل التاريخ ، ولطالب الحق في النصوص والوثائق الكفاية.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com