فيلادلفيا نيوز
بقلم: الشريف خالد عبد الرحمن أبلج الرسي الحسني
حين تغترب الحكمة في بيتها، وعندما يصبح الصدق غربة، فإن النتيجة مميتة.
في خضم أيام الفتنة والاضطراب، خرجت من بين شفتي الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عبارة لم تتجاوز خمس كلمات، لكنها لم تندثر وبقيت حية عبر القرون: «لا رأي لمن لا يُطاع».
لم يقلها في مجلس وعظ ولا درس حكمة. قالها بعدما رأى بعينيه كيف تضيع أفضل الآراء حين لا تجد من يستجيب لها، وكيف تتعثر الخطى مهما كان الطريق واضحاً إذا تفرقت الكلمة.
كانت خلاصة تجربة عاشها بكل تفاصيلها: يرى الحق، ويدعو إليه بيقين، ثم يواجه التردد والاختلاف، فاختصر خلاصة تجربة الإنسان في كل زمان ومكان بهذه الجملة ومنذ تلك اللحظة، حفظت كتب التراث المقولة ودوّنتها بوصفها واحدة من أشهر كلماته.
ثم تناقلتها الألسن جيلاً بعد جيل حتى صارت مثلاً يُضرب كلما عجز الرأي الصائب عن بلوغ غايته.
سر خلودها أنها تجاوزت زمانها ومكانها، لأنها تصف حقيقة تتكرر في كل بيت، وكل شركة، وكل مجلس أصدقاء، وهو لم يقلها على سبيل الشكوى، لكنه ذكرها حكمة خالدة.
فالرأي مهما بلغ من الحكمة لا يصنع مصيراً، ولا يؤتي ثماره إن لم يجد آذاناً تسمع، وأيدي تطيع وتعمل به.
وجع صاحب البصيرة ومن أشد المنغصات على النفس أن تمتلك الحقيقة وتُحرم من تبليغها. أن ترى الطريق مظلماً فتحمل المصباح، فإذا أردت أن تضيء للناس طريقهم، أطفأوا مصباحك. عندها فقط نفهم عمق: “لا رأي لمن لا يُطاع”. ليس ذماً للرأي، بل رثاءً لصاحبه، وتشريحاً لحالة ترفض عقلها فتهوي.
ثلاث حقائق متشابكة المقولة في جوهرها تقوم على ثلاث حقائق لا يمكن الفصل بينها: الأولى: الرأي مهما بلغ من الصواب والعمق ليس غاية في ذاته، بل هو طاقة كامنة لا تتحول إلى فعل إلا عبر التنفيذ.
الرأي بلا تنفيذ مثل بذرة بلا ماء: موجودة لكنها لا تنبت. الثانية: الطاعة وقود القيادة فهي ليست نتيجة القيادة، بل هي شرطها وأساسها؛ فالقائد الذي لا يُطاع ليس قائداً في الحقيقة مهما كان لقبه.
الأب الذي لا تُسمع نصيحته في بيته، والمدير الذي تُهمل خطته في شركته، وكبير العائلة الذي تُرد مشورته في المجلس، كلهم يملكون “سلطة ورقية” من المسمى والمكانة، لكنهم يفتقدون “السلطة الفعلية” التي تقاس بقدرة الكلمة على النفاذ. من لا يُطاع، لا يقود فعلاً، يقود اسمه فقط، بينما تقود الفوضى الواقع. الثالثة: الفرق جوهري بين السلطة الرسمية المكتوبة في العقود والمراسيم، والسلطة الفعلية التي تتجسد في التنفيذ على أرض الواقع.
هذا قانون إنساني يمشي معنا في كل بيت، وكل مجموعة عمل، وكل دائرة أصدقاء. قانون يفسر لماذا تضيع أفضل الأفكار، ولماذا تتكرر الأخطاء رغم وضوح الحل.
الحكمة ليست كافية وحدها. كم مرة في جلسة عائلية قال أحدنا: “لو نفعل كذا سنتجنب المشكلة”؟ وكم مرة في اجتماع عمل قدم زميل خطة عبقرية فابتسم الجميع ثم عادوا لطريقتهم القديمة؟ وكم مرة بين الأصدقاء نصح العاقل فاتهموه بـ “التعقيد “؟ الألم المزدوج وثمن إقصاء العقل هنا يبدأ فيما يعرفه كل عاقل في أي مجموعة: ألم الاستبصار، إذ ترى المشكلة قبل وقوعها، وترى الشرارة قبل الحريق، والخلاف قبل القطيعة.
تعيش هم الغد والناس تعيش لحظتها. وألم العجز، حين تنصح بإخلاص فيُرد قولك بـ “دعنا نجرب طريقتنا”، ثم ترى بعينيك النتيجة التي حذرت منها تتحقق حرفاً حرفاً.
تموت مرتين: مرة بالقلق، ومرة بالحسرة. وصدق المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
عندما تُقصى الحكمة من أي بيئة، بيت أو شركة أو دائرة أصدقاء، لا تُهان شخصية الناصح فقط، بل تتفكك عرى المجموعة.
الفرصة في حياة الناس كالبرق، لها لحظة ولا تعود.
رأي العاقل هو الذي يلتقطها إذا رُد، أُغلق الباب وجاء الندم متأخراً ، يستشري الارتجال: المجموعة التي لا تستمع لعقلائها تحكمها العاطفة والحماس الأهوج. تكثر الأخطاء، ويصبح الضعف من الداخل قبل أي ضغط من الخارج. عندها يرحل عقل الناصح الأمين فإما يسكت حفظاً لكرامته، أو يرحل بحثاً عن بيئة تُقدر عقله.
وهنا تخسر المجموعة عقلها المدبر قبل أن تخسر مشروعها. وأقسى لحظة هي تلك التي يجتمع فيها الجميع بعد الكارثة ليقولوا: “كان معه حق”… لكن بعد ماذا؟ بعد أن صار الرأي الحكيم مجرد قصة تُروى: “يا ليتنا سمعنا”. لذلك الفرد بين أمانة النصح وأمانة الطاعة ومن الإنصاف أن نقول: ليس كل رأي صواباً. فالميزان هو الحق والدليل والمصلحة العامة، لا الهوى والعناد والمجاملة. والمقولة ليست دعوة للاستبداد برأي شخص واحد، بل دعوة لاحترام العقل متى ظهر الحق.
ونذكر شواهد من التاريخ في موقف عتبة بن ربيعة يوم بدر وقف وهو سيد قريش الحكيم قبل المعركة ونصح قومه: “يا معشر قريش، أطيعوني اليوم واعصوني بعد اليوم… خلوا بين محمد وبين العرب، فإن يظهر عليهم فعزه عزكم، وإن يصب فأنتم ما أردتم.
اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة وعودوا أدراجكم”.
وهذا رأي سياسي وعسكري من رجل خبير لأنه رأى في ذلك هلاك قريش.
لم يُطَع كانت النتيجة مقتل صناديد قريش في بدر، وكسر شوكة كانت ستغير ميزان القوة لو أُخذ بالنصيحة.
والدرس الأعظم في غزوة أحد حين كانت الخطة واضحة: “اثبتوا فوق الجبل للرماة، لا تتحركوا سواء انتصرنا أم انهزمنا”. ولكن عندما رأى الرماة المسلمين يغنمون قال بعضهم “الغنيمة الغنيمة” فتركوا مواقعهم برغم الوصية. ففتحت الثغرة وانقلبت المعركة، واستشهد الصحابة، وجرح النبي ﷺ. نزل قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ} آل عمران 152. فنجد نصراً تحول إلى هزيمة ودماء سالت بسبب عصيان رأي واحد.
استقراء تجريبي والأمثلة كثيرة في التاريخ، سواء على الدول والممالك أو القادة أو التجارة أو الوظائف أو حتى القبائل والأسر، وكذلك على الأفراد أنفسهم.
إن إمعان النظر في مسار حياة الفرد واستقراء أحداثه يكشف بجلاء أن “لا رأي لمن لا يُطاع” ليس حكمة عابرة، بل هو قانون سببي يتكرر باطراد في التجربة الإنسانية. أولا: في بُعد التجربة الفردية
والتأمل الدقيق في سجل الذات يفضي إلى إحصاء كمّي لا يُستهان به من القرارات المصيرية التي سُبقت بتحذير أو مشورة، ثم أُعرض عنها بدافع العجلة أو العزة أو وهم الاستقلالية.
وتكون المحصلة النهائية دائماً متطابقة: خسارة، وأثر نفسي “حسرة” ربما لا تُعوض. وهذا التطابق يثبت علاقة السبب بالمسبب. ثانيا: في بُعد القاعدة المعرفية فالرأي السديد الصادر من ذي الخبرة والتجربة هو في جوهره “بيانات متراكمة” و “استنتاجات استقرائية” سبقت وقوع الحدث.
إهماله يعني رفض قاعدة بيانات كاملة لصالح “فرضية شخصية” لم تُختبر بعد. والعلم يقول: رفض البيانات المؤكدة لصالح الفرضية الوهمية يؤدي حتماً إلى خطأ في النتيجة. ثالثا: في بُعد الزمن الرأي يُعرض عليك في “زمن الوقاية” وهو زمن رخيص التكلفة، عالي العائد.
والندم يأتيك في “زمن العلاج” وهو زمن باهظ التكلفة، معدوم العائد. وبين الزمنين فجوة لا يردمها إلا الاعتراف: “ليتني أطعت”. فالمثل يصف ظاهرة إنسانية متكررة ذات نمط ثابت: فالمقدمة: وجود رأي مبني على خبرة سابقة والمتغير: إرادة الفرد واختياره بين الطاعة والعناد.
أما النتيجة الحتمية: فإن الطاعة = تقليل المخاطر.
العناد = تحقق الخسارة. وعليه فإن من لم يطع الرأي السديد لم يخسر المشورة فحسب، بل خسر معها “ميزة السبق المعرفي” التي لا تُشترى بمال، ولا تُدرك بندم.
كما قال ابن المقفع: “إذا لم تطع الناصح الحاذق، فستطيع التجربة القاسية… وكلاهما معلم، ولكن أجر الأول مجاني، وأجر الثانية غالٍ جداً”.
وخاتمتنا هنا لصاحب الرأي نقول: اصبر. فالنبي نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ينصح ولا يُطاع. أجرك محفوظ، وصدق رؤيتك سيظهر ولو بعد حين.
لكن وجعك سيبقى، وجع من حمل الخريطة ورأى السفينة تتخبط وهو يعرف طريق النجاة. قال مؤمن آل فرعون: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} غافر 44.
فلا بيت يسقط بغتة، ولا شركة تنهار فجأة، ولا صداقة تموت بين ليلة وضحاها. أول ما يسقط في أي مجموعة حين تُسكت أصوات العقل، ويصبح الصدق فيها غريباً.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ