الأحد , أغسطس 30 2026 | 5:01 م
الرئيسية / stop / التوجيهي بين أربعة حقول ومستقبل أبنائنا الإصلاح لا يكون بتغيير النظام فقط، بل بضمان حق الطالب في اختيار مستقبله

التوجيهي بين أربعة حقول ومستقبل أبنائنا الإصلاح لا يكون بتغيير النظام فقط، بل بضمان حق الطالب في اختيار مستقبله

فيلادلفيا نيوز

بقلم: د. عبدالرحمن الهندي
باحث ومدرب معتمد في التنميه البشريه

في كل مرة يُعلن فيها عن تعديل جديد في نظام الثانوية العامة، تبدأ الحكاية من جديد: وزارة تتحدث عن التطوير والإصلاح، وأسر تبحث عن إجابات، وطلبة يقفون أمام مستقبلهم وهم لا يعرفون تمامًا ماذا ينتظرهم.

اليوم نحن أمام تعديل جديد في نظام التوجيهي، يقوم على أربعة حقول بدلًا من ستة.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد تعديل في عدد المسارات، لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير؛ لأنه يتعلق بالسؤال الأهم: كيف نريد أن نرسم مستقبل أبنائنا؟

أنا لا أعارض تطوير التعليم، بل أراه ضرورة وطنية. لكنني أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلًا، لا لرفض التغيير، وإنما لنسأل: هل كل تغيير هو إصلاح؟

أربعة حقول… هل أصبح الطريق أوضح؟

تقليص الحقول يمكن أن يحمل إيجابيات واضحة. فالطالب سيكون أمام مسارات أكثر وضوحًا، وقد يساعده ذلك على التركيز في المواد المرتبطة بتوجهه الجامعي والمهني، بدلًا من حالة التشتت والتداخل بين عدد كبير من المسارات.

وهذا أمر جيد من حيث المبدأ.

لكن التعليم ليس مجرد تقسيم للمواد والحقول. التعليم قرار يتعلق بالإنسان.

والإنسان، خصوصًا في سن المراهقة، لا يكون دائمًا قادرًا على اتخاذ قرارات نهائية بشأن مستقبله.

وهنا تكمن المشكلة.

هل نطلب من طالب في السادسة عشرة أن يختار حياته؟

لنكن صريحين.

طالب في السادسة عشرة من عمره قد لا يعرف ماذا يريد بعد خمس سنوات، فكيف نطلب منه أن يتخذ قرارًا يمكن أن يؤثر في تخصصه الجامعي ومستقبله المهني؟

قد يختار الطالب المجال الصحي لأنه حلم الطفولة، ثم يكتشف لاحقًا أنه لا يحب الأحياء.

وقد يختار العلوم والتكنولوجيا لأنه يعتقد أن المستقبل كله في البرمجة، ثم يجد نفسه أكثر ميلًا إلى الإدارة أو العلوم الإنسانية.

وقد يختار الأعمال بسبب رغبة أسرته، وليس بسبب رغبته الشخصية.

فهل نعاقبه على اختياره المبكر؟

لا ينبغي أن يكون النظام التعليمي فخًا يقع فيه الطالب بسبب قرار غير ناضج.

نحن بحاجة إلى نظام يسمح للطالب بأن يغير رأيه، ويعيد اكتشاف نفسه، ويصحح مساره دون أن يشعر بأنه خسر مستقبله.

المشكلة ليست في أربعة أو ستة

ربما انشغلنا كثيرًا بالسؤال: أربعة حقول أم ستة؟

لكنني أرى أن هذا ليس جوهر القضية.

السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع الطالب أن يختار الحقل الذي يناسب قدراته فعلًا؟

وهل سيحصل جميع الطلبة على الفرصة نفسها؟

هنا نصل إلى قضية العدالة التعليمية.

طالب في مدرسة تتوافر فيها مختبرات، ومعلمون متخصصون، وإرشاد مهني، وأنشطة وتكنولوجيا حديثة، ليس كطالب في مدرسة أخرى قد لا تتوافر فيها الإمكانات نفسها.

فإذا طلبنا من الجميع اتخاذ القرار نفسه، يجب أن نضمن أولًا أن الجميع يمتلكون الأدوات نفسها لاتخاذه.

لا نريد نظامًا يحقق العدالة على الورق، بينما تختلف الفرص على أرض الواقع.

وماذا عن الطالب الذي لا يجد مكانًا في الحقل الذي اختاره؟

هذه قضية تستحق إجابة واضحة من صانع القرار.

إذا كان لكل حقل سقف في أعداد الطلبة، فماذا يحدث عندما يكون الإقبال على حقل معين أكبر من قدرته الاستيعابية؟

هل يصبح الطالب أمام خيارين: إما الحقل الذي يريده، أو الحقل الذي تسمح به المقاعد؟

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل نحن أمام اختيار حقيقي أم اختيار مشروط؟

إذا كان مستقبل الطالب سيُحسم بناء على المعدل أو الطاقة الاستيعابية، فعلينا أن نكون واضحين معه ومع أسرته منذ البداية.

أخطر ما في الإصلاح… عدم الاستقرار

هناك مشكلة أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي، وهي أن كثرة التعديلات في التعليم تخلق حالة من عدم الاستقرار.

الطالب يحتاج إلى نظام واضح. والمعلم يحتاج إلى وقت ليُحسن تطبيقه. والأسرة تحتاج إلى أن تعرف كيف تخطط لمستقبل أبنائها. والجامعات تحتاج إلى أن تعرف ما الذي سيأتيها من مخرجات التعليم العام.

الإصلاح الحقيقي لا يعني أن نغيّر النظام باستمرار.

الإصلاح الحقيقي يعني أن نضع نظامًا قويًا، ثم نقيس نتائجه، ونكتشف نقاط ضعفه، ونطوره بناءً على الأدلة والواقع.

لا يكفي أن ترتفع نسبة النجاح

وهنا أعتقد أن علينا أن نعيد النظر في مفهوم النجاح نفسه.

هل نجاح النظام يعني أن ترتفع نسبة النجاح؟ هل يعني أن يحصل عدد أكبر من الطلبة على معدلات مرتفعة؟

أم أن النجاح الحقيقي هو أن يخرج الطالب من المدرسة قادرًا على التفكير والتحليل، وحل المشكلات، والتواصل، واستخدام التكنولوجيا، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي، والعمل ضمن فريق، والتعلم طوال حياته؟

إذا بقي التوجيهي امتحانًا للذاكرة، فلن تنفعنا كثرة الحقول.

العالم لا يحتاج فقط إلى طالب يحفظ المعلومات، وإنما إلى إنسان يعرف كيف يستخدم المعرفة.

التوجيهي يحتاج إلى ثورة في الإرشاد المهني

إذا أردنا من الطالب أن يختار مستقبله، فعلينا أن نساعده على معرفة نفسه أولًا.

يجب أن يعرف: ما نقاط قوته؟ ما ميوله؟ ما قدراته؟ ما التخصصات التي تناسبه؟ ما احتياجات سوق العمل؟ وما الوظائف التي يمكن أن تختفي أو تتغير خلال السنوات القادمة؟

لا يجوز أن يكون اختيار الطالب مبنيًا على كلام الأقارب أو تجارب الأصدقاء أو على التخصص الأكثر شهرة اجتماعيًا.

نحن بحاجة إلى إرشاد مهني حقيقي داخل مدارسنا، يعتمد على أدوات علمية واختبارات ميول وقدرات، وعلى معلومات حقيقية عن سوق العمل.

وهنا يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يكونا جزءًا من الحل، وليس جزءًا من المشكلة.

لا تلغوا النظام… ولا تجعلوه مقدسًا

أما المطالبات بإلغاء النظام الجديد بالكامل، فأنا لا أعتقد أنها الحل.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نتعامل مع النظام وكأنه صيغة لا يجوز الاقتراب منها.

بين الإلغاء والقبول المطلق توجد مساحة واسعة اسمها: التقييم والتطوير.

لماذا لا يتم التعامل مع النظام باعتباره مشروعًا وطنيًا يخضع للتقييم المستمر؟

لماذا لا يكون هناك حوار مؤسسي يضم الوزارة، والمعلمين، والطلبة، والأهالي، والجامعات.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com