فيلادلفيا نيوز
ا.د مخلد سليمان الطراونه
منذ الصباح وأنا أحاول فهم الخدمات الإلكترونية. أتنقل بين المنصات، وأقرأ التعليمات، وأعيد المحاولة، وأسأل من جرّب قبلي. وفي النهاية أدركت أنني لم أوفّر وقتًا ولا جهدًا، بل نقلت المعاناة من طابور أمام موظف إلى طابور أمام شاشة. وهنا يظهر الخطأ الجوهري في فهم التحول الرقمي. فكثير من المؤسسات تظن أنها حققت هذا التحول حين نقلت نماذجها الورقية إلى مواقع إلكترونية، لكنها في الحقيقة لم تفعل سوى رقمنة الورق، لا تحويل الخدمة.
جوهر التحول الرقمي ليس في عدد الأنظمة ولا في لون الواجهات ولا في شعارات “الخدمة الإلكترونية”. جوهره أن يختفي التعقيد. أن تصبح الخدمة أبسط مما كانت، لا أن تُنقل تفاصيلها المعقدة من الورق إلى الشاشة. الرقمنة وحدها تعني تحويل المستند من ورقي إلى إلكتروني مع الحفاظ على كل الخطوات والشروط والروتين. أما التحول الرقمي الحقيقي فيعني إعادة تصميم الخدمة من الأساس، بحيث لا يحتاج المواطن إلى شرح طويل، ولا إلى دليل استخدام، ولا إلى وسيط.
الخدمة الناجحة هي التي تنجز في دقائق، بدون “روح وتعال”، وبدون واسطة أو معرفة، وبدون تحويل على المكتبات، وبدون تكرار البيانات. أن يدخل المواطن إلى المنصة، فيجد ما يحتاجه واضحًا، فينجز معاملته، ثم يخرج راضيًا. لا أن يبدأ رحلة بحث عن الرابط الصحيح، ثم يكتشف أن عليه التسجيل في منصة أخرى، ثم يُطلب منه رفع مستند سبق أن قدمه، ثم ينتظر ردًا لا يأتي. الخدمة الناجحة لا تختبر صبر المواطن، بل تختصر طريقه.
التحذير الحقيقي هو أن تتحول الرقمنة إلى طوابير إلكترونية. أن ينتظر المواطن دوره على الشاشة كما كان ينتظر على الكرسي. أن تظهر الشروط المخفية في الخطوة الأخيرة. أن تتعدد المنصات، كل واحدة منها تطلب تسجيلًا جديدًا وكلمة مرور جديدة. هذا ليس تحولًا رقميًا، بل إعادة إنتاج للبيروقراطية بأدوات حديثة. والأسوأ أن المواطن قد يجد نفسه عالقًا بين منصة لا تعمل، ودعم فني لا يرد، وجهة لا تتحمل المسؤولية. حينها يكتشف أن الرقمنة لم تلغِ التعقيد، بل أخفته خلف الواجهات.
المؤسسة الناجحة تقيس نفسها بسهولة تجربة المواطن، لا بعدد الأنظمة التي أطلقتها، ولا بعدد الخطوات التي أضافتها، ولا بحجم الاستثمار في التقنية. المقياس الحقيقي هو كم دقيقة استغرقها المواطن لإنجاز الخدمة، وهل احتاج إلى مساعدة خارجية، وهل تكررت بياناته في أكثر من مكان، وهل خرج راضيًا أم محبطًا. فإذا كانت الخدمة تحتاج شرحًا معقدًا، فهي لم تنجح بعد. وإذا كان المواطن مضطرًا لسؤال موظف أو صديق أو مجموعة على تطبيق المراسلة ليفهم كيف ينجزها، فالخلل ليس في المواطن، بل في تصميم الخدمة.
الحل ليس في مزيد من الأنظمة، بل في تبسيط الإجراءات قبل رقمنتها. أن تُلغى الخطوات غير الضرورية، وأن تُدمج ما يمكن دمجه، وأن تكون المتطلبات واضحة من البداية، دون مفاجآت. وأن يوجد دعم فني حقيقي، ليس رقمًا لا يرد، بل قناة فعالة تساعد فعلاً. وأن تُربط البيانات بين الجهات، فلا يُطلب من المواطن ما تعرفه جهة أخرى. وأن يُستمع للمواطن، لا بوصفه متلقيًا للخدمة فقط، بل بوصفه مصدرًا أساسيًا لتقييمها وتطويرها.
التحول الرقمي ليس مشروعًا تقنيًا فقط، بل مشروع ثقافي وإداري. هو أن نعيد التفكير في الخدمة من منظور المواطن، لا من منظور الإجراء. هو أن نجعل التعقيد يختفي، لا أن ننقله من الورق إلى الشاشة. وحينها فقط، لن نضطر إلى الجلوس منذ الصباح نحاول فهم الخدمات الإلكترونية. سننجزها في دقائق، ونمضي إلى ما هو أهم من الانتظار.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ