السبت , مايو 23 2026 | 9:30 م
الرئيسية / stop / عشرة جمال من البلح إلى إنجلترا… وثيقة مغربية تكشف بدايات التجارة الأطلسية مع أوروبا

عشرة جمال من البلح إلى إنجلترا… وثيقة مغربية تكشف بدايات التجارة الأطلسية مع أوروبا

فيلادلفيا نيوز

بقلم / الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في سنة 1626م، وبين اضطرابات الدولة السعدية وصراع السلاطين على الحكم، خرج من المغرب الأقصى تصريح سلطاني يبدو صغيرًا في حجمه، لكنه بالغ الدلالة في معناه؛ إذ منح السلطان السعدي الشريف الحسني عبد الملك بن عبد الله الإذن لتاجر إنجليزي يُدعى جون بنتون بتصدير حمولة عشرة جمال من البلح المغربي إلى إنجلترا. ولم تكن هذه الورقة مجرد إذن تجاري عابر، بل شهادة مبكرة على دخول المغرب إلى الاقتصاد الأطلسي العالمي، وعلى بداية تشكل العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإنجلترا قبل صعود الإمبراطورية البريطانية بوقت طويل.

فالمغرب في ذلك الزمن لم يكن مجرد بلدٍ يقع على هامش العالم، بل كان عقدة استراتيجية بين إفريقيا والأندلس والمحيط الأطلسي والصحراء الكبرى.

وكانت موانئه، خاصة على الساحل الأطلسي، تستقبل السفن الأوروبية القادمة بحثًا عن السلع الإفريقية والمغربية، بينما تتحرك في الداخل قوافل الجمال المحملة بالبضائع بين الواحات والمدن والأسواق الساحلية.

ولهذا فإن عبارة “عشرة جمال من البلح” لا تصف كمية فقط، بل تكشف منظومة اقتصادية كاملة تربط الصحراء بالمحيط، والواحة بالسفينة، والجمل بالميناء.

والأهم أن السلعة هنا ليست ذهبًا ولا سلاحًا ولا عبيدًا، بل البلح؛ وهو ما يدل على أن أوروبا بدأت مبكرًا في استهلاك المنتجات الزراعية القادمة من العالم الإسلامي. فالتمر المغربي لم يكن مجرد غذاء محلي، بل سلعة ذات قيمة في الأسواق الأوروبية، ربما بوصفه منتجًا شرقيًا نادرًا أو غذاءً عالي الطاقة يُستورد للطبقات الثرية والبحارة والتجار. وهذا يعكس تغير الذوق الأوروبي مع اتساع الملاحة البحرية وازدياد الاحتكاك بالعالم الإسلامي.

كما تكشف الوثيقة عن طبيعة الدولة السعدية نفسها؛ فالتجارة الخارجية لم تكن متروكة للفوضى، بل كانت تمر عبر الإذن السلطاني المباشر، خاصة حين يتعلق الأمر بالأوروبيين. وهذا يعني أن الدولة كانت ترى التجارة جزءًا من السيادة السياسية، وأن التاجر الأجنبي لا يتحرك إلا تحت حماية “الأمان السلطاني”.

ومن هنا نفهم أن التصريح لم يكن اقتصاديًا فقط، بل كان يحمل أيضًا بعدًا دبلوماسيًا، لأن السماح لتاجر إنجليزي بالتصدير يعني وجود علاقة سياسية وتجارية قائمة بين البلاط السعدي والإنجليز.

وكان عهد السلطان عبد الملك بن عبد الله السعدي زمنًا حساسًا؛ فالدولة السعدية بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي دخلت مرحلة تنافس داخلي وانقسام، بينما كانت القوى الأوروبية تتسابق على النفوذ البحري والتجاري في المغرب. الإسبان والبرتغاليون يحاولون الحفاظ على مواقعهم القديمة، والهولنديون والإنجليز يبحثون عن موطئ قدم جديد في الموانئ المغربية.

ولهذا أصبحت التجارة أداة سياسية بامتياز؛ فالسلطان الذي يحتاج إلى تثبيت سلطته يحتاج أيضًا إلى تنشيط الموانئ، واستقطاب التجار، وتأمين الموارد المالية، وربط نفسه بشبكات التجارة الدولية.
ومن المدهش أن هذه الوثيقة الصغيرة تكشف أيضًا مرحلة مبكرة من “عولمة الغذاء”، حيث خرجت تمور الواحات المغربية المحمولة على ظهور الجمال لتعبر البحر نحو أوروبا الشمالية. إنها رحلة طويلة تبدأ من نخيل الجنوب المغربي، ثم تنتقل عبر القوافل إلى الموانئ الأطلسية، ثم تُحمّل في السفن الإنجليزية، لتصل أخيرًا إلى أسواق لندن. وهكذا تحولت ثمرة الصحراء إلى سلعة دولية في زمن كانت فيه أوروبا تعيد تشكيل اقتصاد العالم.

ولهذا فإن قيمة هذه الوثيقة لا تكمن في كمية البلح المذكورة فيها، بل في ما تختزنه من معانٍ تاريخية؛ فهي تُظهر المغرب الأقصى لاعبًا اقتصاديًا حاضرًا في التجارة العالمية، وتكشف وعي الدولة السعدية بقيمة البحر والتجارة، كما تقدم صورة مبكرة جدًا عن العلاقات المغربية الإنجليزية قبل قرون من الاستعمار الحديث.

إنها ورقة صغيرة بالفعل، لكنها تختصر عالمًا كاملًا من السياسة والتجارة والقوافل والبحر والتحولات الدولية.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com