فيلادلفيا نيوز
العميد المتقاعد الدكتور حسين احمد الطراونة
شهدت العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة التهديدات التي تستهدف أمن الدول واستقرار المجتمعات، حيث لم يعد الإرهاب مجرد تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، بل تحول إلى منظومة فكرية وعقائدية متراكمة تتغذى على التأويلات المنحرفة للنصوص، والاستقطاب الرقمي، واستغلال الهويات الفرعية. وفي هذا السياق، يبرز الأردن كنموذج وطني واجه بحزم وبصيرة استراتيجية هذه التهديدات عبر عقود. غير أن الديناميكيات المتسارعة للتطرف تفرض تساؤلاً جوهرياً حول مدى الحاجة إلى إحداث مراجعات فكرية وأمنية دورية، وكيفية تفعيل دور المواطن من خلال مفهوم “الحس الأمني الواقي” وتوظيف التربية الإعلامية والرقمية لحماية النسيج الوطني من الاختراق.
أولاً: الجذور المنهجية للحاجة إلى مراجعات فكرية وأمنية مستمرة
إن الفكر المتطرف بطبيعته ليس كياناً جامداً، بل هو ظاهرة ديناميكية تتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. من هنا، تصبح المراجعات الفكرية والأمنية ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لأي دولة تسعى إلى تجفيف منابع التطرف وتحصين مجتمعها. هذه المراجعات لا تعني بحال من الأحوال التخلي عن الثوابت، بل تعني إعادة تقييم الأدوات والسياسات المتبعة لمواكبة أساليب التجنيد الحديثة التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية عبر الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي.
على الصعيد الفكري، تتطلب المواجهة تفكيك الخطاب الظلامي من جذوره عبر نقد أدواته المعرفية، وليس فقط الرد الانفعالي على مخرجاته. يتطلب ذلك إشراك المؤسسات الدينية الأكاديمية والبحثية في صياغة خطاب ديني مستنير يؤكد على قيم الوسطية والاعتدال، ويعيد الاعتبار للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية التي تقر بحفظ النفس والمال والعقل والعرض. كما يجب أن تمتد المراجعات الفكرية لتشمل المناهج التعليمية والخطاب الثقافي والإعلامي، لضمان ترسيخ ثقافة النقد البناء والتفكير العلمي، وحماية الأجيال الناشئة من الوقوع في فخ التفكير الإقصائي.
أما على الصعيد الأمني، فإن المراجعات الأمنية تضمن الانتقال المستمر من الأجهزة الاستباقية التقليدية إلى الاستخبارات التحليلية والوقائية التي تسبق الحدث. إن التطرف الرقمي والذئاب المنفردة تشكل تحدياً نوعياً يستدعي تطوير قدرات الأجهزة الأمنية في مجالات الأمن السيبراني وتحليل البيانات الكبرى، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والتشريعية لضمان ميزان دقيق بين إنفاذ القانون وحماية الحقوق والحريات العامة، وهو الميزان الذي طالما مثّل صمام أمان للدولة الأردنية.
ثانياً: دور الدولة الأردنية في بناء منظومة الوعي الوطني
لقد أدرك الأردن مبكراً أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي لاجتثاث جذور الإرهاب، فتبنى مقاربة شاملة ومتكاملة عُرفت عالمياً بـ “رسالة عمان” ونموذج “الوسطية والاعتدال”. هذه المبادرات لم تكن مجرد شعارات سياسية، بل كانت إعلاناً منهجياً لتصحيح المفاهيم المغلوطة ونزع الشرعية الدينية عن أفعال التنظيمات المتطرفة. وقد عملت الدولة الأردنية على تمكين المؤسسات الدينية الرسمية، مثل وزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء العام والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، لتكون حصناً منيعاً في وجه الغلو والتطرف.
وعلى الصعيد التشريعي والمؤسسي، طوّر الأردن منظومة قوانين مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، مع الحرص المستمر على تحديثها لتلائم الاتفاقيات الدولية والمعايير الحقوقية. كما أدركت الدولة أن محاربة التطرف مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتنمية المستدامة، ومحاربة الفقر والبطالة، وتوسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية والحزبية، باعتبار التهميش والاغتراب الاجتماعي بيئة خصبة للاستقطاب المتطرف.
ثالثاً: التربية الإعلامية والرقمية: خط الدفاع الفكري للشباب في الجامعات والمدارس
مع تحول الفضاء الرقمي إلى الساحة الأولى للتجنيد والاستقطاب من قبل التنظيمات المتطرفة، أصبحت “التربية الإعلامية والرقمية” ضرورة استراتيجية لحماية عقول الشباب وتحصينهم. فلم تعد التهديدات تقتصر على اللقاءات المباشرة، بل باتت تستغل منصات التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لبث السموم الأيديولوجية والأخبار المضللة.
لتفعيل هذا الدور محلياً، يستدعي الأمر الآتي:
- تضمين التربية الإعلامية في المناهج المدرسية والجامعية: تحويل التربية الإعلامية من مادة نظرية إلى مساق عملي وتطبيقي يتعلم من خلاله الطالب مهارات التفكير النقدي، والتمييز بين الحقيقة والشائعة، وتفكيك الخطابات الدينية والتاريخية المجتزأة التي تهدف إلى إثارة الفتنة.
- التمحيص والتحليل الرقمي: إكساب الشباب مهارات التحقق من المصادر والمحتوى الرقمي، وفهم آليات الخوارزميات التي قد تدفع بهم نحو “غرف الصدى” وتغذية التعصب والتطرف دون دراية منهم.
- الصناعة الرقمية الإيجابية: تحويل الشباب من مستهلكين سلبيين للمحتوى الرقمي إلى صناع محتوى واعين يساهمون في نشر قيم التسامح، وقبول الآخر، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة خطابات الكراهية والإقصاء.
رابعاً: نظرية “الحس الأمني الواقي”: المواطن كخط دفاع أول
في قلب المعركة ضد التطرف، تبرز نظرية “الحس الأمني الواقي” كفلسفة وطنية تعيد تعريف علاقة المواطن بالأمن. لم يعد الأمن حكراً على المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح مسؤولية تشاركية تقع على عاتق كل فرد في المجتمع. والحس الأمني الواقي ليس شعاراً بوليسياً، بل هو حالة من اليقظة الواعية والمسؤولية المجتمعية التي تنبع من الانتماء العضوي للتراب الوطني والحرص على استقراره. هذا الحس الأمني يرتكز على ركائز أساسية عدة:
- الوعي المعرفي والنقدي: قدرة المواطن على تمييز الخطابات التحريضية والشائعات المغرضة التي تهدف إلى بث الفتنة وشق الصف الوطني عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
- المسؤولية الإيجابية: الإبلاغ الواعي عن أي اشتباه أو تحركات مريبة تهدد السلم المجتمعي، بعيداً عن الوشايات العشوائية أو التسرع، وبما يخدم العدالة وسيادة القانون.
- التكافل والتضامن الاجتماعي: إغلاق الأبواب أمام التيارات المتطرفة التي تستغل الظروف الاقتصادية الصعبة للأفراد؛ فالمجتمع المتماسك والمتحاب هو البيئة الأكثر مناعة ضد الأفكار الهدامة.
إن المواطن الأردني الذي أثبت عبر التاريخ وعياً سياسياً وأمنياً فريداً، يُنظر إليه اليوم بوصفه الشريك الأساسي في حماية الجبهة الداخلية. فالاستقرار الأردني لم يكن وليد صدفة، بل هو ثمرة تلاحم واعٍ بين القيادة والشعب والأجهزة الأمنية، وهو ما يجسد بوضوح مفهوم “الأمن المجتمعي الشامل”.
خامساً: التحديات المستقبلية وسبل التعاطي معها
رغم النجاحات الكبيرة التي حققها الأردن في مكافحة التطرف، إلا أن التحديات لا تزال قائمة ومتجددة. يبرز اليوم خطر “التطرف السيبراني” واستخدام تقنيات التزييف العميق في نشر الدعاية المتطرفة، إلى جانب استغلال الأزمات الإقليمية المحيطة لتأجيج العصبيات الطائفية أو الإقليمية ولمواجهة هذه التحديات، يتطلب الأمر:
- التوسع في برامج التوعية بالأمن السيبراني لجميع شرائح المجتمع بالتعاون بين المؤسسات التعليمية والأمنية.
- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الحديثة في دمج الشباب في مسارات البناء الوطني الفعلي.
- استمرار التقييم العلمي والموضوعي للاستراتيجيات الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب، لضمان تطورها المستمر وتلافي أي ثغرات محتملة.
وبناء على ماسبق فإن محاربة الفكر المتطرف في الأردن ليست مرحلة عابرة، بل هي صيرورة مستمرة تتطلب يقظة لا تنام ومراجعات فكرية وأمنية جريئة وشجاعة. وإن نظرية “الحس الأمني الواقي” معززة ببالتربية الإعلامية والرقمية تظل التجسيد الأسمى لوعي المواطن الأردني وإيمانه المطلق بأن أمن وطنه واستقراره هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. فحين يتسلح المواطن بالوعي والمعرفة والمسؤولية، وتتكامل جهوده مع المؤسسات الوطنية، تظل سياجاً منيعاً يحمي الأردن من كل عاصفة، ويصون مسيرته نحو المستقبل بثبات واقتدار.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ