فيلادلفيا نيوز
الاستاذ الدكتور مخلد الطراونة
لن تنحني هامة الكرك أيها الجبناء، ولن تطأطئ رأسها أمام خفافيش الظلام ودعاة التطرف. فالكرك، بتاريخها وأهلها ومواقفها، عصيّة على الانكسار، شامخة كقلعتها، راسخة كجذورها الممتدة في أعماق التاريخ. والكرك، أنّى دخلتها، هي الكرك؛ لا تغيّرها الأيام، ولا تبدّل أصالتها رياح الفتنة والكراهية.
هذه قير حارسة، وهذه مؤاب، وهذه أرضٌ شهدت على مرّ العصور أن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل موقفٌ يُصان، وانتماءٌ يُورث، ووفاءٌ لا يتبدّل. هنا تعانقت الحكايات، وتقاسمت البيوت الأفراح والأتراح، وزرع الناس (اسلام ومسيح) الأرض ذاتها، وعصروا الزيتون ذاته، واقتسموا الخبز والماء، فكانوا أهلًا وجيرانًا وإخوةً، جمعتهم الأرض ووحّدهم الوطن.
في الكرك، لا تسأل عن الإنسان من أين جاء، بل عن أصالته ومواقفه. هنا انادي د. بدري الصناع خالوه، ويناديني عيسى الهلسة: «يا خي». وفي هاتين العبارتين البسيطتين تختصر الكرك حكاية مجتمعٍ لم تصنعه الكراهية، ولم تفرّقه الاختلافات، بل صاغته المحبة والعِشرة والروابط الإنسانية التي تجاوزت كل الحواجز.
فالكرك ليست حجارة قلعةٍ شامخة فحسب، وليست صفحاتٍ في كتاب التاريخ؛ إنها روح المكان، وذاكرة الناس، وكرامة الإنسان. هي حكاية الاهل الذين أتقنوا الاباء، والذين باركوا الأرض بعرقهم، والأمهات اللواتي ربّين الأجيال على النخوة والوفاء، والرجال الذين جعلوا من الانتماء سلوكًا ومن الكرامة عهدًا لا يُنقض.
أما أولئك الذين يراهنون على بثّ الفرقة وإيقاظ الفتن، فليعلموا أن الكرك أكبر من أوهامهم، وأعمق من أن تنال منها دعوات التطرف، وأصلب من أن تهزّها محاولات العبث بنسيجها الاجتماعي. فقوة الكرك ليست في حجارتها وحدها، بل في قلوب أبنائها، وفي قدرتهم على حماية وحدتهم، والتمسك بقيم التسامح والعيش المشترك، والوقوف صفًا واحدًا حين يُمسّ الوطن أو تُهدّد كرامة أبنائه.
عاشت الكرك اسلام ومسيح.
ستبقى الكرك كما عرفها التاريخ: شامخةً لا تنحني، وأصيلةً لا تتنكر لجذورها، ووفيّةً لوطنها وأهلها. ستبقى قلعتها شاهدًا على صمودها، وأرضها شاهدًا على عطائها، وأبناؤها حراسًا لهويتها الوطنية والإنسانية.
سلامٌ على الكرك، أرض مؤاب وقير، أرض النخوة والكرامة. سلامٌ على أهلها الذين يتقاسمون الأرض والخبز والزيتون، ويحفظون العهد مهما اشتدت المحن.
لن تنحني هامة الكرك؛ لأنها تحمل في تاريخها عزّةً، وفي حاضرها وعيًا، وفي أبنائها إرادة وطنٍ لا يقبل الفرقة ولا يساوم على وحدته.
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ