الأربعاء , سبتمبر 23 2026 | 11:23 ص
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / المدارس الصحية … وقاية اليوم وصحة الغد

المدارس الصحية … وقاية اليوم وصحة الغد

فيلادلفيا نيوز

الدكتور محمد رسول الطراونة 

 

في وقتٍ تتصاعد فيه التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات، تقف الجمعية الملكية للتوعية الصحية، بتوجيه ورعاية من جلالة الملكة رانيا العبدالله، رئيسة مجلس الأمناء، كواحدة من أنجح النماذج الوطنية في ترسيخ ثقافة الوقاية وتعزيز الصحة. فمنذ تأسيسها عام 2005، لم تكن الجمعية مجرد مؤسسة توعوية، بل أصبحت شريكاً استراتيجياً لوزارتي الصحة والتربية والتعليم في بناء بيئة مدرسية صحية متكاملة، ترتكز على مبدأ راسخ مفاده أن الوقاية أجدى وأقل كلفة من العلاج.

برنامج “المدارس الصحية” هو الترجمة الأكثر وضوحاً لهذه الرؤية الملكية، فبعد أن أُقرّ كبرنامج اعتماد وطني بالتعاون مع وزارتي الصحة والتربية، نجح البرنامج في الوصول إلى حوالي 4200 مدرسة، محققاً إنجازاً غير مسبوق في المنطقة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة؛ فهي تعني أن مئات الآلاف من الطلبة باتوا اليوم يتعلمون في بيئات مدروسة صحياً، تتوافر فيها معايير النظافة الشخصية والتغذية السليمة والنشاط البدني والدعم النفسي.

وقبل أيام قليلة، تجسد هذا النجاح في حفل تكريم مهيب أقيم في مسرح قصر الثقافة الملكي، حيث كرّمت الجمعية الملكية للتوعية الصحية 139  مدرسة من مختلف محافظات المملكة و من مختلف القطاعات، تقديراً لجهودها في تطبيق معايير برنامج المدارس الصحية وتحقيق متطلبات الاعتماد للاعوام الدراسية 2024-2026 . ومع ان شهادتي في انجازات الجمعية الملكية للتوعية الصحية مجروحة بصفي أحد اعضاء مجلس الامناء ، لكن يروق لي ولزاما علي أن اقتبس  فقرة فيها الكثير من الرسائل  وردت في كلمة المدير العام للجمعية في حفل الافتتاح حيث اكدت الدكتورة أمل عريفج، أن “طموحنا هو جيل يحمل معه ما تعلمه في مدرسته إلى بيته، ثم إلى مجتمعه، ثم إلى وطنه”، مشددة على أن الهدف لا يقتصر على زيادة المعرفة الصحية، بل أن يعيش الطالب الصحة كجزء من شخصيته وأسلوب حياته، هذا التكريم ليس مجرد احتفال عابر، بل هو تأكيد على أن الاستثمار في صحة الطلبة هو استثمار في مستقبل الوطن. ما يميز تجربة ” المدارس الصحية” أنها ليست برنامجاً توعوياً عابراً، بل منظومة متكاملة تعتمد على المعايير الوطنية للصحة المدرسية التي أُقرّت واعتمدت دولياً، وتغطي تسعة فصول تشمل القيادة والإدارة، والبيئة المدرسية والسلامة الصحية، والتوعية، وخدمات الصحة المدرسية، والصحة النفسية، والتغذية، والأنشطة الرياضية. وقد أثمر هذا النهج عن اعتماد مئات المدارس بمستويات ذهبية وفضية وبرونزية، مما خلق تنافساً إيجابياً بين المدارس لتحقيق أعلى المعايير.

الاستفادة من تجربة ” المدارس الصحية” تتجاوز حدود الصحة و التعليم؛ فهي تقدم درساً حوكمياً بالغ الأهمية: النجاح لا يتحقق بالعمل المنفرد، بل بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، فقد أثبتت الجمعية أن التعاون مع وزارة التربية والتعليم، و وزارة الصحة، والقطاع الخاص، والمنظمات الدولية، قادر على إنتاج نموذج قابل للتطبيق في أي مدرسة أردنية، بل وقابل للتصدير إقليمياً، وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تقتصر على تحسين صحة الطلبة، بل تمتد لتشمل أسرهم ومجتمعاتهم المحلية،حيث يعمل الطلبة كسفراء للصحة في بيوتهم، ينقلون ما تعلموه عن التغذية السليمة والنظافة والوقاية من الأمراض إلى عائلاتهم.

ولم يتوقف عطاء الجمعية عند المدارس؛ فبرنامج “العيادات المجتمعية الصحية” انتشر في مختلف المحافظات، وقدم الرعاية الوقائية لمئات الآلاف من المواطنين، بينما أسهم برنامج “المطبخ الصحي” في توفير ملايين الوجبات الصحية في المناطق الأقل حظاً، وبرنامج “فكر أولاً” للوقاية من الإصابات، وصل إلى أكثر من مائة الف طالب في حوالي 159 مدرسة.

إن تجربة الجمعية الملكية للتوعية الصحية تقدم دليلاً عملياً على أن الاستثمار في الوقاية هو الاستثمار الأجدى، فبدلاً من انتظار المرض، تبني هذه المؤسسة الوطنية جيلاً كاملاً يعرف كيف يحمي صحته، ويكون سفيراً لثقافة صحية في أسرته ومجتمعه، إنها قصة نجاح أردنية تستحق أن تُروى، ونموذج يستحق أن يُعمم، لأن صحة أبنائنا ليست مجرد حق، بل هي أساس نهضة وطن بأكمله.

أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com