الأحد , أبريل 19 2026 | 6:30 م
الرئيسية / stop / حين يُختطف مفهوم الوطنية

حين يُختطف مفهوم الوطنية

فيلادلفيا نيوز

بقلم الدكتور عبدالرحمن الهندي

مساعد الامين العام – حزب النهضه والعمال الديمقراطي

في السنوات الأخيرة، برزت أصوات تدّعي احتكار الوطنية، وتوزّع صكوك الولاء والانتماء وفق معايير ضيقة، تُقصي أكثر مما تجمع. هذه الأصوات، وإن رفعت شعارات الدفاع عن الوطن، إلا أنها في الحقيقة تُضعف أساسه الأهم: وحدة المجتمع وتماسكه.

الوطن ليس شعارًا يُرفع في وجه المختلف، ولا أداة لتخوين الناس أو تصنيفهم. الوطن عقد جامع يقوم على الحقوق والواجبات، وعلى احترام كرامة الإنسان بغض النظر عن أصوله أو خلفيته. وكل محاولة لاختزال الوطنية في هوية واحدة أو فئة بعينها هي في جوهرها تقويض لمعنى الوطن نفسه.

إن الدستور لم يُكفل حرية التعبير عبثًا، بل لأنه أدرك أن قوة الدولة تنبع من تعددية الآراء، ومن قدرة المجتمع على النقاش دون خوف أو تخوين. وعندما يتحول التعبير عن الرأي إلى سبب للهجوم أو التشكيك، فنحن لا نحمي الوطن، بل نضعف بنيانه.

الولاء الحقيقي لا يُقاس بالصوت المرتفع ولا بالشعارات الحادة، بل بالفعل المسؤول: احترام القانون، الحفاظ على السلم المجتمعي، والدفاع عن كرامة جميع المواطنين دون استثناء. والانتماء ليس ادعاءً يُمنح أو يُسحب، بل شعور عميق يتجسد في العمل من أجل مصلحة الوطن ككل، لا جزء منه.

أما استخدام الأصول والمنابت كأداة للتلميح أو الإقصاء، فهو سلوك يعكس ضيق أفق أكثر مما يعكس غيرة على الوطن. فالأوطان لا تُبنى بالنقاء المتخيّل، بل بالتنوع الذي يتحول إلى قوة حين يُدار بعدالة واحترام.

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يُغذّي الانقسام ويُشتّت الانتباه عن التحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع، من قضايا اقتصادية إلى فرص الشباب ومستقبل الأجيال. وبدل أن نتكاتف لمواجهتها، نجد أنفسنا نستهلك طاقتنا في صراعات جانبية لا رابح فيها.

إن حماية الوطن لا تكون بإسكات الأصوات، بل بتنظيمها ضمن إطار من الاحترام المتبادل. ولا تكون بتخوين المختلف، بل بالاحتكام إلى القانون والمؤسسات. فالدولة القوية هي التي تحتمل النقد، لا التي تخشاه.
في النهاية، الوطنية ليست سلاحًا نُشهره في وجه بعضنا، بل مساحة مشتركة نتقاسمها جميعًا. ومن أراد أن يخدم الوطن حقًا، فليبدأ بحماية وحدته، واحترام تنوعه، والإيمان بأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل فرصة لبناء مجتمع أكثر نضجًا وعدالة.

فالوطن الذي يتسع للجميع، هو وحده الوطن الذي يستحق أن ندافع عنه.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com