الثلاثاء , فبراير 24 2026 | 12:41 م
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / استقلالية الجامعات… درع الجودة في وجه البيروقراطية المركزية

استقلالية الجامعات… درع الجودة في وجه البيروقراطية المركزية

فيلادلفيا نيوز

بقلم: ا.د مخلد سليمان الطراونه

في خضم الثورات التكنولوجية المتسارعة والتحولات المعرفية الكبرى التي يشهدها العالم، تبرز مؤسسات التعليم العالي كقاطرات رئيسية للتقدم والابتكار، غير أن هذه المؤسسات لكي تتمكن من الاضطلاع بدورها الريادي تحتاج إلى بيئة محفزة تسمح لها بالإبداع والتكيف مع المتغيرات، وهنا يبرز السؤال الجوهري حول ما إذا كانت الجامعات قادرة على تحقيق التميز المنشود وهي مقيدة بقيود البيروقراطية المركزية، والإجابة البدهية هي لا، مما يؤكد الحاجة الماسة إلى استقلالية الجامعات ومنحها مرونة إدارية وأكاديمية أكبر لتظل منارات للعلم والبحث بعيدًا عن ثقل الروتين، ولا تعني استقلالية الجامعات بأي حال من الأحوال انفصالها عن الدولة أو المجتمع بل هي إعادة توزيع ذكية للصلاحيات تمثل انتقالاً من دور الوصاية الذي تلعبه الوزارات المركزية إلى دور الرقابة والتوجيه الاستراتيجي، وتتجلى هذه الاستقلالية في عدة أبعاد رئيسية يأتي في مقدمتها الاستقلالية الأكاديمية المتمثلة في حرية الجامعة لتطوير المناهج وخطط الدراسة بما يتناسب مع متطلبات العصر وسوق العمل المحلي والدولي دون انتظار موافقات مركزية قد تستغرق سنوات، وهذا يمكنها من استحداث تخصصات حديثة بسرعة كالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتخلي عن تخصصات باتت غير مطلوبة، ثم تأتي الاستقلالية الإدارية والمالية التي تمنح الجامعة قدرة على إدارة ميزانيتها بكفاءة وتنويع مصادر دخلها من خلال إنشاء شركات بحثية أو تقديم استشارات وتوظيف الكفاءات الأكاديمية والإدارية بمرونة وفق معايير الجودة لا وفق قواعد التعيين الحكومية الصارمة، بالإضافة إلى الاستقلالية في اختيار القيادات بحيث يتاح لمجالس الجامعات المكونة من أساتذة وخبراء حرية اختيار رؤسائها وعمدائها بناءً على الكفاءة والرؤية المستقبلية وليس على الأقدمية أو الولاءات الإدارية.
عندما تدار الجامعات بقوانين ولوائح موحدة تُصمم لإدارة الوزارات والمصالح الحكومية التقليدية فإن النتيجة الحتمية هي جمود الفكر وضعف الإنتاجية، وتتجلى سلبيات هذه المركزية في قتل الإبداع حيث يتحول الأساتذة والباحثون إلى موظفين إداريين همهم الأول إنهاء الإجراءات الورقية بدلاً من التفرغ للبحث والتدريس والإبداع، كما تظهر في ضعف استجابة الجامعة لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة بسرعة مما ينتج عنه تخريج أفواج من الطلاب بمؤهلات لا تتوافق مع متطلبات العصر فيتفاقم بذلك تحديا البطالة المقنعة والعلنية، بالإضافة إلى دفع الباحثين والأكاديميين المتميزين إلى الهجرة للعمل في جامعات أجنبية أو قطاع خاص يوفر لهم بيئة محفزة وإمكانيات أكبر في خسارة فادحة للوطن، ولطالما ارتبطت الجامعات العريقة والمتقدمة بدرجة عالية من الاستقلالية فجامعات مثل هارفارد وأكسفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لم تصل إلى مكانتها المرموقة إلا لأنها تتمتع بحرية كاملة في تحديد رسالتها الأكاديمية وإدارة شؤونها، وهي نموذج حي على أن الاستقلالية تخلق تنافسية إيجابية بين المؤسسات التعليمية فتسعى كل منها إلى تقديم الأفضل لجذب الطلاب المتميزين وأفضل الأساتذة والتمويل.
في هذا السياق تبرز قضية دمج وزارتي التربية والتعليم مع التعليم العالي كأحد أكثر الموضوعات إثارة للجدل في عالمنا العربي، حيث طبقت بعض الدول العربية هذا النموذج بهدف تحقيق التكامل بين مراحل التعليم المختلفة وخلق رؤية استراتيجية موحدة، لكن المتأمل في هذه التجارب بعمق يجد أنها تحمل في طياتها مخاطر جسيمة تهدد جودة التعليم العالي وتقوض أسس تميزه، فالدمج الإداري بين قطاعين مختلفين جوهرياً في طبيعتهما وآليات عملهما وأهدافهما يشكل تهديداً وجودياً لاستقلالية الجامعات التي نادينا بها، فكيف لكيان بيروقراطي ضخم مكلف بالإشراف على آلاف المدارس ومئات الآلاف من الطلاب في مرحلة التعليم العام أن يدير أيضاً شؤون الجامعات ومراكز البحث العلمي بنفس الروح والآليات، إن هذا الدمج يؤدي حتماً إلى توسيع رقعة البيروقراطية المركزية بدلاً من الحد منها، حيث تتحول الجامعات من مؤسسات أكاديمية متميزة بطبيعتها الخاصة إلى مجرد إدارة تابعة لوزارة عملاقة تركز سلطاتها في قمة هرمية واحدة، وهذا يعني عملياً خضوع القرارات الأكاديمية والعلمية للمنطق الإداري الموحد الذي يراعي القاسم المشترك الأدنى بين التعليم المدرسي والتعليم العالي، مما يقتل خصوصية كل قطاع ويحول دون تطوره الطبيعي.
إن معارضة دمج الوزارتين لا تنبع من رفض التكامل بين مراحل التعليم أو من دعوة للانفصال المؤسساتي بقدر ما تنبع من إدراك عميق لطبيعة عمل الجامعات التي تختلف جوهرياً عن طبيعة عمل المدارس، فالجامعة مؤسسة تتعامل مع العقول الباحثة والإنتاج المعرفي والبحث العلمي وتحتاج إلى سرعة في اتخاذ القرار ومرونة في التعامل مع المتغيرات العالمية المتسارعة، بينما يتعامل التعليم العام مع أعداد هائلة من التلاميذ في مراحل تكوينية تحتاج إلى سياسات تربوية موحدة ومناهج مركزية وإجراءات رقابية صارمة، والجمع بين هذين العالمين تحت مظلة وزارية واحدة يعني إما تغول المنطق التربوي العام على خصوصية التعليم العالي أو العجز عن إدارة التناقضات بينهما مما يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار، والتجارب العالمية الملهمة التي تستحق التأمل تظهر أن الدول المتقدمة لا تدمج وزارتي التعليم العام والعالي بل على العكس تمنح جامعاتها استقلالية متزايدة وتنشئ هيئات متخصصة للإشراف على جودة التعليم العالي مستقلة عن الوزارات التقليدية، وهذا ليس مصادفة بل هو نتاج فهم عميق أن تقدم الأمم يقاس بجودة ما تنتجه جامعاتها من معرفة وبحوث، وهذه الجودة لا يمكن أن تزدهر في بيئة مركزية موحدة تفتقد إلى التنوع والتخصص والمرونة.
إن المطالبة باستقلالية الجامعات ورفض دمج الوزارتين في كيان واحد هو موقف متكامل ينطلق من رؤية واحدة مفادها أن الجامعات تحتاج إلى بيئة خاصة تختلف عن البيئة المدرسية، وأن أي إصلاح تعليمي حقيقي يجب أن يبدأ بتحرير الجامعات من القيود البيروقراطية لا بإخضاعها لبيروقراطية أكثر توسعاً ومركزية، والمطلوب هو تحول جذري في الفلسفة الإدارية للدولة تجاه جامعاتها بالانتقال من دور الآمر والناهي إلى دور الداعم والمنظم والمراقب، مع وضع أطر تشريعية واضحة تحدد مسؤوليات الجامعات ومجالس أمنائها ومنحها الحرية الكاملة في تحقيق أهدافها الوطنية ضمن إطار استراتيجية عامة للدولة، فالجامعة المستقلة غير المركزية لا تعني جامعة منعزلة بل جامعة مسؤولة قادرة على الابتكار سريعة في التكيف مع المتغيرات العالمية معنية أولاً وأخيراً ببناء الإنسان والمعرفة، وفي عصر يتسارع فيه كل شيء لا يمكننا تحمل كلفة بيروقراطية تشل عقول الشباب وتقيد طموح الأوطان، ولا يمكننا أيضاً أن نضحي بخصوصية التعليم العالي على مذبح التكامل الإداري الشكلي الذي يبدو في الظاهر حلاً موحداً لكنه في العمق يكرس التخلف ويحول دون اللحاق بركب الجامعات العالمية التي تتفوق علينا لأنها حرة مستقلة.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com