الأحد , فبراير 22 2026 | 11:34 م
آخر الاخبار
الرئيسية / فنون / من التأسيس إلى التأثير العالمي: قراءة في النموذج السعودي بين عمق التاريخ وصناعة المستقبل

من التأسيس إلى التأثير العالمي: قراءة في النموذج السعودي بين عمق التاريخ وصناعة المستقبل

فيلادلفيا نيوز

 المؤرخ الشريف / خالد أل ابلج

في مشهد دولي متقلب تعصف به الأزمات وتتسارع فيه التحولات، يبرز نموذج سعودي فريد يتحدى المفاهيم التقليدية للدولة النامية. ففي الوقت الذي تحتفل فيه المملكة بذكرى تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون، نجدها تنظر إلى المستقبل بعين المخطط الاستراتيجي، لا عين المؤرخ. ذكرى التأسيس هنا ليست مجرد استذكار لماض تليد، بل هي تأكيد على حيوية الجذور التي تنبت اليوم أغصانا تمتد لتظلل العالم.

يقدم النموذج السعودي معادلة نادرة في المنطقة: كيف يمكن للدولة أن تكون محافظة على هويتها، طارحة في الوقت ذاته لأكثر المشاريع تحديثية في تاريخها؟ إن التأمل في مسيرة الدولة منذ عام 1727م يكشف أن مشروع الدولة السعودية لم يكن نتاج تراكم نفطي مفاجئ، بل هو مشروع سياسي واجتماعي ذو شرعية تاريخية عميقة. هذا الإرث التاريخي هو ما منح القيادة السعودية الحالية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، قاعدة صلبة للانطلاق نحو “رؤية 2030” دون خوف على الهوية، بل باستثمارها كميزة نسبية في عالم العولمة.

عند التحليل الموضوعي للسياسات السعودية خلال العقد الأخير، نجد أن ما جرى يتجاوز فكرة “الإصلاح الاقتصادي” التقليدية. لقد انتقلت المملكة من سياسة إدارة الريع النفطي إلى سياسة بناء القدرات الإنتاجية الذاتية. فبدلاً من أن تكون مجرد سوق كبيرة تستورد الحلول الجاهزة، تعمل السعودية اليوم عبر صندوق الاستثمارات العامة على إعادة تعريف دور الدولة كـ”مطور وممكن”.

مشاريع مثل “نيوم” و”البحر الأحمر” و”القدية” ليست مجمعات سياحية أو سكنية، بل هي مختبرات حية لتطبيق تقنيات المستقبل ونماذج اقتصادية غير مسبوقة، تهدف إلى خلق قطاعات جديدة بالكامل لم تكن موجودة في هيكل الاقتصاد السعودي قبل عقد من الزمن.

في العمق السياسي والدولي، تطور الدور السعودي من دولة ذات ثقل إقليمي إلى واحدة من الدول الفاعلة والمؤثرة في صناعة القرار الدولي.

فلم يعد الحديث عن المملكة يقتصر على كونها أكبر مصدر للنفط، بل أصبحت الرياض عاصمة من العواصم الكبرى التي يُصنع فيها القرار العالمي. انضمام المملكة إلى مجموعة العشرين لم يعد مجرد مقعد شرف، بل أصبح منصة لتقديم رؤية “الجنوب العالمي” في مواجهة التحديات. على الصعيد الجيوسياسي، تتبنى السعودية اليوم سياسة خارجية أكثر ديناميكية، تجمع بين الاحتفاظ بالشراكات الاستراتيجية التقليدية، وفي الوقت ذاته مد جسور التعاون مع القوى الصاعدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. هذا التحرك لا ينبع من فراغ، بل من قناعة راسخة بأن الاستقرار العالمي لم يعد أحادي القطب، وأن المملكة يمكن أن تكون نقطة التقاء مصالح القوى الكبرى، وليس ساحة لصراعاتها، وهو ما تجلى في نجاح الوساطات الدولية التي قادتها مؤخراً، واستضافتها لقمم تاريخية أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة.

أحد أكثر الجوانب عمقاً في التجربة السعودية هو البعد الاجتماعي. الحديث عن “تمكين المرأة” أو “دعم الشباب” يتجاوز كونه شعارات إنمائية.
هناك قراءة تحليلية تشير إلى أن رؤية 2030 تعمل على إعادة تعريف “العقد الاجتماعي” في المملكة.
فبدلاً من النمط التقليدي القائم على أن الدولة هي الملهم والراعي الوحيد، تسعى الرؤية إلى تحويل المواطن إلى شريك فاعل ومنتج.

زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من 35%، وارتفاع أعداد المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على تحول ثقافي عميق يدفع نحو مجتمع أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة العالمية، مع الحفاظ على النسيج القيمي للمجتمع.

لا يمكن لأي تحليل موضوعي أن يتجاهل التحديات. فطموح المشاريع العملاقة يحتاج إلى كفاءات بشرية قادرة على الإدارة والتشغيل، وهذا يتطلب وقتا لتواكب مخرجاته مخرجات التعليم والتدريب.

كما أن تحقيق التوازن بين الانفتاح العالمي والخصوصية الثقافية يبقى اختبارا يوميا للمجتمع. ومع ذلك، فإن ما يميز النموذج السعودي هو وضوح الرؤية والقدرة على التكيف، حيث يتم تحديث الخطط وتعديل المسارات بناء على المعطيات الميدانية، مما يعكس مرونة المؤسسات وليس جمودها.

إن ذكرى التأسيس في هذا العام ليست مجرد محطة للاحتفال، بل هي وقفة تأمل في مسار وطني استثنائي.

إنها تؤكد أن السعودية التي نراها اليوم على منصات الاستثمار العالمية، وفي قمم القرار الدولي كدولة ذات صوت مسموع ونفوذ فاعل، هي امتداد عضوي لتلك الدولة التي تأسست في الدرعية قبل ثلاثة قرون. الفارق اليوم هو السرعة والقدرة على قراءة المستقبل.

لقد أثبتت المملكة أن بناء المكانة الدولية والوصول إلى مصاف الدول الكبرى صاحبة القرار ليس حكراً على أحد، بل هو نتاج رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية صلبة، وشعب يرى في طموح قيادته صورة لغده الذي يستحقه. في زمن قياسي، تحولت السعودية من نموذج للدولة الريعية إلى نموذج للدولة الممكنة، بل إلى قوة دولية فاعلة تصنع المستحيل وتجعل من الماضي دافعا لا عائقا للمستقبل.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com