فيلادلفيا نيوز
بقلم ا.د مخلد سليمان الطراونه
لكم ترددت على مسامعنا مقولة: “الطالب محور العملية التعليمية”. شعار جميل نكتبه في تقارير الجودة، ونزيّن به صفحات الخطط الاستراتيجية، ونستفتح به كلماتنا في المؤتمرات التربوية. لكن السؤال الذي يلحّ علينا كلما خرجنا من قاعات الامتحان، أو تسلّمنا خططًا دراسية لم نُسأل عنها: هل المحور يدور حولنا فعلًا، أم أننا مجرد كواكب تائهة في فلك لا تملك فيه اتجاهًا؟ هذه المقالة دعوة صريحة لإعادة تعريف “المركزية الطلابية” من خلال نموذج طموح، لكنه قابل للتحقيق: أن يكون الطالب عضوًا مراقبًا في كافة المجالس الأكاديمية؛ مجالس الأقسام، والكليات، وحتى مجلس العمداء. عندها فقط ننتقل من “المحور” بصفته استعارة بلاغية، إلى “المحور” بصفته موقعًا مؤسسيًا.
الفرق بين الاستشارة والعضوية جوهري. الاستشارة اختيارية، تأتي إن شاء صاحب القرار وترحل إن شاء. أما العضوية – ولو بصفة مراقب – فتعني حضورًا دائمًا، وحقًّا في الاطلاع، وصوتًا مسموعًا وإن لم يكن معدودًا. الطالب الذي يدخل مجلس قسمه لا ليقف على باب القاعة، بل ليجلس إلى الطاولة ذاتها، سيرى كيف تُصنع القرارات التي ستشكل مستقبله الأكاديمي. سيدرك أن وضع مقرر دراسي أو إلغاءه ليس نزوة شخصية، بل عملية معقدة تخضع لاعتبارات: ساعات معتمدة، متطلبات سابقة ولاحقة، شروط هيئات الاعتماد، ندرة أعضاء هيئة التدريس في تخصص دقيق. هذه المعرفة وحدها كفيلة بتحويل الطالب من ناقد ساخط إلى شريك واعٍ. قد يقول قائل: الطالب ليس خبيرًا في المناهج، ولا يعرف أصول بناء الخطط الدراسية. صحيح. لكن الخبير يعرف كيف يبني الخطة، والطالب هو من يعيشها. الخبير يضع “مدخل إلى علم كذا” في المستوى الأول، و”نظريات متقدمة” في المستوى الاعلى. لكن الطالب هو من يختبر الفجوة بين المقررين، ويكتشف أن هناك جسرًا مفقودًا. الطالب هو من يعاني ازدواجية المحتوى بين مقررين في فصلين متتاليين، وهو من يدفع ثمن عدم التكامل الرأسي أو الأفقي في الخطط. هذه المعرفة التجريبية لا يملكها أستاذ المادة نفسه، لأنه يدرّس مقرره بمعزل عن الصورة الكلية. الطالب – وحده – هو من يملك هذه البانوراما الحية للخطة الدراسية. حرمان المجالس الأكاديمية من هذه العين الراصدة إفقار لعملية اتخاذ القرار.
الانتقال إلى هذا النموذج لا يفيد الطالب وحده، بل المؤسسة التعليمية والمجتمع أيضًا. بالنسبة للطالب، يتحول من متلقٍ سلبي إلى فاعل في بيئته التعليمية. يكتسب مهارات الحوار المؤسسي، ويفهم طبيعة صنع القرار، ويتدرب على المسؤولية قبل التخرج. الجامعة بهذا المعنى لا تعدّه مهنيًا فحسب، بل مواطنًا صالحًا يعرف كيف يمارس الرقابة والمشاركة. بالنسبة للمؤسسة، تكسب عينًا راصدة في أدق تفاصيل عملها الأكاديمي. بل وتكسب أيضًا حليفًا لا خصمًا. الطالب الشريك في وضع الخطة يصبح مدافعًا عنها، لا ناقدًا من الخارج. والأهم أن القرارات الأكاديمية تصبح أكثر شرعية وقبولًا حين يعرف الطلاب أنها لم تُتخذ خلف أبواب موصدة. أما بالنسبة للمجتمع، فيخرج له خريج لا يحمل شهادة فحسب، بل يحمل عقلية ناقدة ومشاركة. مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون إلى مواطنين يعرفون كيف يراقبون، وكيف يشاركون، وكيف يوازنون بين النقد والمسؤولية.
قد يظن البعض أن العائق قانوني أو تنظيمي. الحقيقة أن الأنظمة الجامعية في معظم بلداننا العربية تتيح – نظريًا – تمثيل الطلاب في مجالس الكليات، لكنها غالبًا ما تبقى حبرًا على ورق، أو تُفعّل بشكل رمزي محدود. التحدي الحقيقي ثقافي. هناك خوف من أن “يكبر الطالب على نفسه”، أو أن يعطل القرارات بأسئلة محرجة، أو أن تُكشف تفاصيل لا يُراد كشفها. لكن المؤسسة التي تثق في نفسها لا تخاف المراقبة. بل إن الشفافية الكاملة هي أقوى تأكيد على نزاهة القرار وجودة المخرجات. وأما بخصوص إحراج المسؤولين، فليتذكر الأكاديميون أنهم يعدّون الطالب ليكون ندًا فكريًا لهم يومًا ما. فلماذا نخاف من أسئلته اليوم؟
لا أحد يدّعي أن الانتقال الفوري إلى عضوية الطالب المراقب في مجلس العمداء أمر هيّن. لكن يمكن البدء بخطوات تدريجية: تفعيل نصوص تمثيل الطلاب الموجودة في الأنظمة الجامعية، وجعل حضور الطالب في مجلس الكلية حضورًا دائمًا لا موسميًا؛ إنشاء مجالس استشارية طلابية موازية للمجالس الأكاديمية، مع إلزامية رفع توصياتها ومناقشتها علنًا؛ إشراك الطلاب في لجان تطوير الخطط والبرامج الدراسية، بعضوية كاملة لا استشارية فقط؛ ثم الانتقال إلى مرحلة العضوية المراقبة في مجلس القسم ثم الكلية، مع تقييم التجربة وتطويرها.
مقولة “الطالب محور العملية التعليمية” لن تتحقق بطريقة سحرية. إنها تحتاج إلى قرارات جريئة تعيد توزيع الأدوار. الطالب ليس عميلًا يشتري خدمة تعليمية، ولا وعاءً فارغًا نملؤه بالمعرفة. الطالب شريك أصيل في بناء المعرفة وتجويد بيئتها. وجوده على طاولة المجلس الأكاديمي، بصفة مراقب له حق الحضور والاطلاع والمطالبة بالإجابة، هو أقوى تأكيد على أننا نأخذ مقولاتنا التربوية على محمل الجد. المؤسسات التي تخاف صوت طلابها هي مؤسسات لا تثق في نفسها. أما المؤسسات الواثقة، فهي التي تفتح أبوابها، وتدعو من تسميهم “محور العملية” ليروا كيف تدور العجلة، بل ويساعدوا في دفعها. فهل تفتح أبواب الم٤جالس؟
فيلادلفيا نيوز نجعل الخبر مبتدأ