الجمعة , يناير 16 2026 | 7:32 م
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / الإسراء جوابُ السماء على مطالب الأرض… لا كما أرادوا بل كما شاء الله

الإسراء جوابُ السماء على مطالب الأرض… لا كما أرادوا بل كما شاء الله

فيلادلفيا نيوز

‏الشريف محمد بن علي الحسني
‏مفكر ومؤرخ رئيس الرابطة العبادات العالمية للأنساب الهاشمية

‏جاء الإسراء في لحظة فاصلة بوصفه جواب السماء على منطق الأرض، وردًا إلهيًا بالغ الدقة على مطالب قريش التعجيزية التي أرادت بها إخضاع النبوة لشروطها، لا التصديق بها. فقد دعت قريش رسول الله ﷺ إلى ما سمّته تفاهمًا وتفاوضًا، لكنها في الحقيقة وضعت قائمة مطالب اشترطت الإيمان بتحقيقها، مطالب سجّلها القرآن في سورة الإسراء تسجيلًا تاريخيًا صريحًا: تفجير الينابيع، وإنشاء الجنات، وبناء القصور، وإنزال الملائكة، بل وإسقاط السماء كسفًا، ثم بلوغ ذروة التحدي بقولهم: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾. كانت الذهنية القرشية واضحة: نريد آيات حسية خارقة تُرى بالعين، وتُستثمر في النفوذ والجاه، وتُحوِّل النبوة إلى أداة منفعة دنيوية ومباهاة سياسية، فإن لم يتحقق ذلك فلتكن آيات العذاب استبعادًا لقدرتك، وإن عجزت عن هذا وذاك فاصعد إلى السماء أمامنا، وحتى لو فعلت فلن نؤمن حتى تُنزِل كتابًا جديدًا يُرضي أهواءنا.
‏وتأتي رواية ابن عباس كما نقلها الفخر الرازي وابن إسحاق لتكشف بجلاء أن القوم لم يكونوا يطلبون هداية، بل كانوا يريدون إعادة النبوة إلى مربع الآيات المشروطة والمنافع المحسوسة، وكأن الرسالة لا تقوم إلا إذا خضعت لاختبارات السوق والسلطة. هنا كان جواب النبي ﷺ حاسمًا: «سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا»؛ نفيٌ لتحويل الرسالة إلى عرضٍ تفاوضي، وإقرارٌ بأن النبوة ليست أداة استجابة لمطالب بشرية، بل وحيٌ يُبلّغ كما أُنزِل.
‏في هذا السياق تحديدًا جاء الإسراء، لا كما أرادوا ولا على شروطهم، بل كما شاء الله. قريش طلبت الصعود لتكذّبه، فجاء الإسراء صعودًا لتثبيته؛ قريش أرادت آية تُخضع الغيب لعيونها، فجاءت آية تُعيد الغيب إلى مكانه الصحيح: مجالًا للإيمان لا للمساومة. لم يكن الإسراء استجابةً مباشرة لمطلبهم «اصعد إلى السماء»، بل كان نقضًا لمنطق الطلب ذاته؛ إذ أُري النبي ﷺ من آيات ربه ليثبت قلبه ويُعلن اكتمال التحول المنهجي في الدعوة، من نبواتٍ تُؤيَّد بآيات حسية وقتية إلى رسالة خاتمة تقوم حجتها على التصديق بالغيب.
‏وهذا التحول له علّته العميقة؛ فالنبوات قبل محمد ﷺ كانت محدودة الزمان والمكان والجمهور، فلا إشكال أن تُخاطَب أجيالها بآيات تُرى ثم تنقضي بانقضائهم. أما رسالة محمد ﷺ فهي للعالمين، ممتدة إلى يوم القيامة، عابرة للزمان والمكان، فلا يستقيم أن تُبنى حجتها على آيات لا يراها إلا أهل القرن الأول، ثم يُحرَم منها من يأتي بعدهم. لذلك كان القرآن هو المعجزة الباقية، وكان الإسراء آية تثبيتٍ وتكريمٍ وإعلان اكتمال المنهج، لا عرضًا تفاوضيًا لإقناع المتعنّتين.
‏هكذا نفهم الإسراء في سياقه الصحيح: ليس هروبًا من الواقع ولا خضوعًا لمطالب قريش، بل جواب السماء على ابتزاز الأرض، وإعلانًا بأن الإيمان لن يُبنى على شروط المنتفعين، بل على اليقين بالغيب، وأن منطق «أرِنا لنؤمن» قد سقط، ليحلّ محله منطق «آمنا فازددنا بصيرة». ومن هنا كان الإسراء مفصلًا تاريخيًا وفكريًا؛ أنهى مرحلة الجدل حول الآيات الحسية، وفتح أفق الرسالة الخاتمة التي لا تُختبر بالمطالب، بل تُصدَّق بالهداية، وتُحمل باليقين، وتبقى حجتها قائمة ما بقي الزمان القراءة القرآنية-التاريخية المتأنية ترجّح بقوة أن شروط قريش لم تكن عفوية ولا نابعة من بيئتها وحدها، بل جاءت على نسقٍ فكري معروف سابقًا في تاريخ الجدل مع الوحي، وهو النسق الذي تميّزت به الذهنيّة اليهودية في مخاطبة الأنبياء: اشتراط الآيات الحسية، وربط الإيمان بالمشاهدة، والمطالبة بالمنافع المادية المباشرة، ومحاولة اختبار النبوة بمنطق التعجيز لا بمنطق الهداية.
‏قريش – بطبيعتها الثقافية – لم تكن أمة كتاب، ولم تعرف تقاليد الجدل العقدي المنهجي مع الأنبياء، ولم يُسجَّل عنها تاريخيًا هذا النوع من الأسئلة التفصيلية المركّبة عن الغيب، والملائكة، والكتب السماوية، وصعود السماء، وإنزال الصحف، إلا بعد الاحتكاك باليهود في يثرب وخيبر ومكة نفسها عبر التجارة والرحلات. ولهذا يلفت النظر أن مطالب قريش جاءت فجأة بصيغة واحدة متماسكة، وكأنها لائحة جاهزة لا ارتجال فيها.
‏عندما نضع مطالب قريش في سورة الإسراء إلى جوار مطالب بني إسرائيل من موسى عليه السلام، يظهر التشابه البنيوي لا العرضي:
‏•﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾
‏•﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾
‏•﴿فَأْتِنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾
‏•﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾
‏وهي الذهنية ذاتها التي نراها في خطاب قريش:
‏آيات حسية، منافع دنيوية، اختبار مباشر للغيب، ومساومة على الإيمان. ‏بل إن طلب الصعود إلى السماء تحديدًا ليس طلبًا عربيًا مألوفًا، وإنما سؤالٌ عقديٌّ يهوديّ الأصل، مرتبط بثقافة الأنبياء والكتب والملائكة، لا بثقافة الوثنية العربية. وكذلك طلب إنزال كتاب خاص بهم يقرؤونه، وكأن القرآن القائم بين أيديهم لا يكفي لأنه لا يخاطب كبرياءهم الطبقي ولا يكرّس زعامتهم.

‏وهذا ما يجعل الاحتمال الأقرب للصواب هو أن قريش تلقّت هذه الشروط عبر مشورة يهودية مباشرة أو غير مباشرة، لا سيما أن الروايات تثبت أن قريش كانت ترسل إلى يهود يثرب تسألهم عن النبي ﷺ، وتطلب منهم أسئلة “تكشف صدقه”، فجاءت الأسئلة اختبارية لا هادفة، مبنية على إرثٍ طويل من مجادلة الوحي لا على طلب الحق.
‏لكن الأهم من السؤال عن المصدر هو جواب السماء على هذا النسق كله. فالقرآن لم يناقش الشروط بندًا بندًا، ولم يستجب لها، بل نسف المنهج من أساسه:
‏﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾
‏أي أن الرسالة لا تُخضع نفسها لاختبارات الأمم السابقة، ولا تعيد إنتاج نماذج فشلت أخلاقيًا وروحيًا.
‏ولهذا جاء الإسراء لا استجابةً لمطلب «اصعد إلى السماء»، بل تفكيكًا جذريًا لمنطق المطالبة ذاته؛ فالعروج حصل، لكن خارج عين المساومة، وخارج ابتزاز المشاهدة، وخارج منطق “أرِنا لنؤمن”. جاء تثبيتًا للنبي ﷺ، لا برهانًا لقريش، وجاء إعلانًا أن هذه الرسالة لن تُدار بالعقلية التي أفسدت بني إسرائيل من قبل.
‏فالخلاصة الدقيقة هي:
‏نعم، شروط قريش تحمل بصمة يهودية واضحة في المنهج والنسق، لكنها حين طُرحت على الرسالة الخاتمة، لم تُقابَل كما قوبلت مطالب الأمم السابقة، بل جاء الرد الإلهي بحسمٍ تاريخي: هذا طريق انتهى، وتلك ذهنية سقطت، وهذه أمة لن تُربّى على الإيمان المشروط بالمشاهدة.
‏⁧‫

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com