الرئيسية / منوعات / يقترضون الأموال ويعز عليهم سدادها

يقترضون الأموال ويعز عليهم سدادها

فيلادلفيا نيوز

 يستهجن الأربعيني خالد مسلم سلوك بعض الناس الذين يعرفهم ويتمثل في استدانتهم المال لقضاء حوائجهم وعندما يتوفر بين أيديهم يعز عليهم أن يسدوه إلى من أقرضهم إياه.
يقول مسلم “كثيرون استدانوا منّي ولم يعيدوا الدَّين”، لافتا إلى أنه رغم وجود مستندات تثبت حقه إلا أنه يرفض تقديمها إلى الجهات القانونيّة، لأنه لا يحب “أذية الناس الذين أحببت مساعدتهم في ما مضى”.
ويضيف مسلم “لا أريد خسارة المزيد من المال على المحامين والقضايا المرفوعة، وتضييع وقتي في المحاكم”، لاسيما أن معظم الذين استدانوا منه مقربين إليه مستذكراً المثل القائل:”إذا أردت أن تخسر صديقك فسلّفه من مالك”. 
من جهتها تقول الأربعينية هيام بسطامي إن الدَّين “ليس عيباً إذا احترمت شروطه”، مشيرة إلى أنها لديها تجارب كثيرة في موضوع التسليف “فكم من مرّة سلّفت أشخاصاً كنت أدرك تماماً أنهم لن يعيدوا إليَّ ما يقترضونه منّي”، متابعة بأنها تدين الناس المال حتى تفك كربهم وضيقهم وتساعدهم ولا تنتظر مقابلاً.
وتشير إلى أنها لن تسألهم ردّ ما أخذوه منّها، علماً بأنها مرت بظروف صعبة، وكان بإمكانها المطالبة بالدين الذي عليهم، لكنها لم تفعل.
يميل كثيرون عندما تلم بهم ضائقة مالية، أو عندما يحتاجون لقضاء احتياجات معينة لا يملكون مالا كافيا لها، للاستدانة من الآخرين، بعضهم يكون معذورا في عدم سداده إن بقيت أحواله متعسرة، لكن الأكثر غرابة من يتوفر بيده المال لاحقا ولا يسد الدين الذي عليه، وكأنه يعز عليه أن ينفقه رغم أنه استحقاق للآخرين.
الثلاثيني محمد الزعبي، لم يستدن من أحد البتة، ومن جهة ثانية، يقول “لا أردّ محتاجاً يقصدني بهدف الاستدانة منّي، خصوصاً إذا كنت أثق به وكان من الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء”؛ مشيرا إلى أنه يقرضه المال من دون طلب أي مستندات، “لأن مجتمعنا العربي يعد الكلمة “شرفاً وعُرفاً وتقليداً لا يمكن التفريط فيها”. 
ويتحدّث محمد عن تجربته مع الاستدانة؛ فيقول:”هناك ثلاثة أشخاص استدانوا منّي منذ فترة طويلة مبالغ من المال، ولم يعيدوها إليَّ، بالتالي خجلت شخصياً من مطالبتهم بها”، مضياف “اليوم بتُّ أكثر حذراً مع هذا الموضوع، وإذا عاد الأشخاص ذاتهم، وطلبوا مني مساعدة أخرى، سأفكّر مليّاً قبل تقديمها لهم، أياً كانت طبيعتها فلقد اهتزّت ثقتي بهم”. 
“أشخاص يحبون الاستدانة ويعز عليهم السداد”، وفق الخمسيني معتز الطالب الذي يستهجن من بعض من قاموا بالاستدانة منه ولكنهم لم يسدوا ما أخذوه، على الرغم من تحسن حالتهم المادية ومرور سنوات على هذا الدين.
ويقول الطالب “لا أصدق أن هناك أشخاصا ينسون الدين الذي عليهم”، معتبرا مثل هذه التصرفات تجعل الشخص يفكر مليون مرة قبل أن يقدم المساعدة لشخص آخر.
ولأّن المال لا يقف حائلاً بينه وبين أصدقائه، يقول سعود محمد “لن أخسر صديقاً من أجل مبلغ من المال، فالمال يأتي ويزول، لكنّ الأصدقاء الحقيقيّين يبقون إلى جانبنا دائماً”.
ويضيف “غالباً ما أسلِّف أصدقائي المال، وهم يعيدونه لي من دون أن أطالبهم به، وصحيح أن بعضهم لا يفعل، ولكن ليس لأنه لا يريد سداد دينه، ولكن لأنه يفتقر إلى المال ليسدده”. 
وفي إطار كلامه عن نفسه، يقول سعود “شخصيّاً لا أحبِّذ الاستدانة من الناس، وعندما أحتاج ماديّاً، لا سمح الله سوف أقصد أحد المصارف وأستدين، وهكذا أقضي حاجتي، ولا أرمي بثقلي على أصدقائي”. 
بدوره يشير اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطارنة إلى أن عدم الوفاء بالدين وتسديده “سلوك اجتماعي بين الناس الذين تسود نفسياتهم حالة من عدم العطاء والحرمان في الطفولة، تجعلهم يستولون على أشياء الآخرين فيتأصل عندهم كنوع من الشطارة فيصبح من الصعب عليه أن يعيدها أو أن يعطي غيره”.
ويتابع مطارنة حديثه أن هؤلاء الأشخاص بطبيعتهم لا يوجد لديهم إحساس بالوفاء وسداد أموال الناس فعند أخذه المال يستصعب تسديده، إذ لم يعتد منذ صغره على العطاء.
ويجد مطارنة أن هؤلاء الأشخاص “لا يتمتعون” بالتزام أخلاقي وانضباط في نفسهم وتوجد داخلهم حالة من عدم الالتزام المجتمعي، حيث يبرر ذلك الشخص غايته بالوسيلة التي يقوم بها متجاهلا كلام الناس وردود أفعالهم على تصرفاته الأنانية التي يمارسها ويقوم بها، وفق مطارنة.
ويصف مطارنة هؤلاء الأشخاص بأنهم “يميلون إلى التحايل والنصب والاستغلال وهم مرضى نفسيا ويخلقون حالة من عدم الاستقرار المجتمعي ويشوهون صورة التكافل المجتمعي”.
في حين يرجع أختصاصي علم الاجتماع الأسري والتربوي الدكتور أحمد السيريوي وجود هذه الظاهرة إلى عدة عوامل تتلخص في “الوازع الديني والتربية والتنشئة، وتعويد الطفل منذ صغره على إعطاء الناس حقوقهم وثقافة إرجاع الشيء إلى أصحابه بعد أخذه”.
ويلفت السيريوي إلى أن الحديث بين الدّائن والمدِين “مشكلة شائكة ومُعقَّدة”، وصعوبتها تكمن عندما يكون المدين قريبا أو صديقا، وتتعرض للإحراج والخجل من المطالبة بالدين حتى لا تفهم خطأ، أو حتى لا يتطور الأمر حال عدم السداد إلى مشكلة ينتج عنها خسارة كل طرف للآخر، فالبعض يؤثر عدم المطالبة بالدين ونسيان الموضوع حتى يقوم الدائن بسداده من تلقاء نفسه على أن يحدث بينهما مشاكل بسبب المال تؤدي للقطيعة.
ويلفت السيريوي إلى أنه لابد من زراعة القيم والاخلاق وتنشئة الطفل وتربيته على حب إعطاء الآخر وتعويدهم على الصدقة.
ويقول “المال عزيز على النفس”، ومن الممكن أن يفوق حب المال النفس، معتبرا عدم سداد الدين إطاحة بقيم التكافل الاجتماعي، خصوصا وأن الناس لا غنى لهم عن بعض.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.