الرئيسية / منوعات / مطعم “العمد” من معالم السلط العريقة

مطعم “العمد” من معالم السلط العريقة

فيلادلفيا نيوز

ليس غريبا أن يكون مطعم “العمد” في مدينة السلط، معلماً من معالم المدينة، فقد ذكره الشاعر الأردني الكبير حيدر محمود في إحدى قصائده متغنياً بتاريخ السلط قائلاً: “وبمطعم العمَدِ الذي كان النّدى فيهِ.. يزاحمُ في ناداه غيومها.. كل الرموز الأردنية عَمَّدَتْ.. أنى التفت تجد عليه رسومها”.
كغيرها من محافظات المملكة، تزخر السلط بالعديد من الأماكن التي غدت معلما من معالمها العريقة، ويعد مطعم “العمد” الشعبي الذي يقدم “الكباب” فقط من أكثر الأماكن التي شهدت خطى أبناء السلط، وزوارها الباحثين عن الطعام، وعن وجبة تكفيهم يومهم.
ارتبط تاريخ افتتاح المطعم الذي تعود ملكيته لغازي العمد، بأحد أبناء عشائر البلقاء العريقة؛ إذ يؤكد الابن إبراهيم العمد، الذي ورث المطعم عن والده، والذي تأسس في العام 1927، أن المطعم لم يكن مكاناً لتقديم الوجبات بقدر ما كان “مقصدا يجتمع فيه الكثير من رجالات الدولة الأردنية”، وقد كان أغلبهم في تلك الأيام إما طلاباً في مدرسة السلط الثانوية، وهي الأولى في تاريخ المملكة، أو من الشخصيات التي زارت السلط.
ومن أبرز أسماء رواد المطعم التي ذكرها إبراهيم العمد، “وما يزال دفتر “الدين” يشهد على طلباتهم في تلك الأيام”، رؤساء وزراء سابقون، أبرزهم “وصفي التل، وهزاع المجالي، وشفيق رشيدات، وعبد السلام المجالي، وحمد الفرحان، وصلاح أبوزيد”، منوها إلى أنهم “كانوا يطلبون الوجبات ويسجلونها دينا عليهم، ثم لا يلبثون أن يسددوا ما عليهم بعد أن تبعث إليهم عائلاتهم بالمصروف الشهري”.
ومن اللافت في دفتر “الديون” الذي اطلعت “الغد” عليه، أن أسعار الوجبات كانت تتراوح بين قرش واحد وثلاثة قروش، يسددها والد الطالب.
ومن اللافت كذلك، بحسب العمد، أن الطلاب كانوا يسجلون ما يترتب عليهم من دين، بأنفسهم، وبشكل يومي، ما يدل على مدى الثقة والأمانة المتبادلة بين الوالد والطالب، وما بينهما وبين “العمد”.
ومن الذكريات التي مايزال العمد يتحدث عنها عند فتحه لدفتر الديون، قصة أحد طلاب مدرسة السلط في الثلاثينيات، كان يشتري وجبات الطعام ويسجل في الدفتر دينه بنفسه، وكثيرا ما كان يقتطع من الدين نصف قرش أو قرش، أي أنه في حال اشترى بثلاثة قروش يسجل على الدفتر قرشين فقط، وذلك بسبب أوضاعه المادية الصعبة آنذاك، إلا أنه كان في الوقت ذاته يسجل باقي الدين في دفتر خاص به حتى يسدده لاحقا.
والجميل في القصة أن هذا الطالب عندما أكمل دراسته الثانوية في السلط، وتوجه للدراسة في تركيا، وتحسن وضعه المادي، قام بتجميع كل ما كان عليه من ديون “غير مسجلة” عند العمد، وقام بتسديدها دفعةً واحدة، وكانت قد بلغت سبعة عشر ديناراً.
على إحدى واجهات المطعم، وضع العمد صورة تذكارية لسمو الأمير علي بن الحسين الذي جاء إلى مدينة السلط ذات يوم، وأبى إلا أن يتناول وجبة غداء في المطعم، كما وضع صور الكثيرين من رجالات الدولة الأوائل الذين كان العمد حضناً لهم؛ إذ كان والده في السابق يقدم جميع أنواع الطعام، وليس الكباب فقط، وكان يقدم الوجبات البيتية أيضا بأشكالها كافة.
ما يزال العديد من رجالات السلط وزوارها ومثقفيها وأدبائها يحفظون الكثير من الذكريات عن مطعم “العمد”، وما كانوا يتلذذون به من مذاق “الكباب”؛ إذ كان مطعم “العمد” في العشرينيات والثلاثينيات المكان “شبه الوحيد” الذي يقوم بتقديم وجبات الغداء لطلاب مدرسة السلط الثانوية.
وقد يستغرب كثيرون عراقة هذا المطعم، والحجم الهائل من الذكريات التي اختزلتها جدرانه، كونه بناء صغيراً من الحجر القديم، في أحد شوارع السلط القديمة، يتكون من غرفة وفضاء صغير لتحضير الكباب الذي كان يستهوي المارين برائحته الذكية.
الستيني أبومجدي الذي جاء يبتاع “الكباب” من مطعم “العمد”، قال إن المطعم يعود به إلى ذكريات الطفولة عندما كان يأتي برفقة والده، بعد جمع الغلة من الحقول، لشراء الكباب لأفراد العائلة كافة.
ويقول أبومجدي إنه يعتبر “مطعم العمد” جزءا لا يتجزأ من تاريخ مدينة السلط، والبلقاء على وجه العموم، فهو مكان وقف على عتباته العديد من سكان السلط وخارجها، وما يزال الجميع يتشوقون لمذاقه، كونه يذكرهم بالماضي البعيد، وببساطة الحياة في المدينة التي كانت المحال التجارية فيها “بعدد أصابع اليد”، على حد تعبيره.
ومن الأمور الثابتة التي يتحدث “العمد” عنها، أن المطعم كان يبدأ بتحضير وجبات الكباب، أو السندويشات منذ ساعات الصباح الأولى، ويُنهي عمله عند انتهاء كمية اللحوم، والذي عادةً ما يتوقف عن تقديم الطلبات في ساعات ما بعد الظهيرة، نظراً لنفاد كمية اللحوم بسبب إقبال الزبائن عليه بشكل متواصل خلال ساعات الصباح والظهيرة.
وعن “العمد” وذكرياته، يتحدث الثمانيني أبوناصر العبد، عن صلاته بهذا المطعم العريق، وكيف كان يأتي بين الحين والآخر من “القرية” من أجل تناول الكباب فيه؛ إذ كان ذلك اليوم مميزاً، ولذلك فهو يحرص لغاية الآن على ألا يأكل الكباب إلا من عند “العمد”، ويقول “إن هناك ارتباطا روحيا بين المكان وأيام الزمن القديم” التي كانت تتسم بالبساطة والبركة، على حد تعبيره. “ففي السابق كان الشخص يستطيع شراء كمية كبيرة من الكباب بمبلغ بسيط، لا يتجاوز بضعة قروش في بعض الأحيان”.
ورغم التغيرات العمرانية التي حدثت في مدينة السلط، والزيادة في أعداد المطاعم والمحال التجارية فيها، إلا أن زبائن “العمد” يجدون بأن لا مكان يضاهيه في مذاقه الممزوج بالذكريات القديمة، فهو المكان الذي يذكرهم دائماً بالآباء والأجداد، وبأيام زمان الجميلة التي لا يمكن أن ينساها أحد من رواد “العمد”.
فرغم “ضيق” المكان إلا أنه يتسع لمائة محب، على حد تعبير العمد، إلا أنه يتسع لزبائنه رغم كثرتهم، لأنه اعتاد تلبية طلبات الأعداد الكبيرة من الزبائن الذين ألفوا ارتياد المطعم لشراء الكباب.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.