الرئيسية / بورتريه / محمد طمليه .. الساخر الذي ” نسي أن يتزوج “

محمد طمليه .. الساخر الذي ” نسي أن يتزوج “

tomaliah

يرفض أن يوصفَ بالسّاخر، كان دائماً يقول: “أنا لستُ ساخراً، أنا جادٌ وملتزم”. يرى نفسَه مقنعاً بما لا يُطاق، متأقلماً مع الخواء وحياته عبارة عن عملية “طحن ماء” ومراوحة، وبرغم قناعته بـأنه “لا يوجد أحد، وما من صوت” إلا أن حبَه للحياة ورغبته في المقاومة كانت تدفعه للمضي قدماً.

ما كان يحدث له، هو ما لم يكن يحدث لسائر الناس، فزوجته معنويّة لا تتعدى ذكرها في مقال.. وردّه دائما كان “نسيت أن أتزوج”، وقال ذات مرة بأنه ذكرٌ ولود أنجب لنفسه جيلا من الأسى، وفلذات كبده هي دمعات تجري على خده، إلا أنه أنجب لقرائه مجموعات قصصية هي: “جولة العرق، القادمون الجدد، ملاحظات حول قضية سياسية، المتحمسون الأوغاد، يحدث لي دون سائر الناس واليها بطبيعة الحال” إضافة لكتابه المشترك مع رسام الكاريكاتير عماد حجاج وأصدر صحيفتين ساخرتين هما “قف” والرصيف” التي أصدرها مع شقيقه الراحل إسماعيل .

محمد طمليه الذي ولد عام 1957 وبدأ مشواره الصحفي مع جريدة الدستور هو أول من كتب مقالا ساخرا في الأردن ، وقد استطاع أن يوجد لنفسه أسلوبا فريدا، فجمع بين الأسلوب الصحفي والأدبي في الكتابة.

طمليه الحاصل على البكالوريوس في اللغة العربية من الجامعة الأردنية، كان معروفا بولعه في الروايات وخصوصا الروسية منها، إلى درجة أنه كان يحفظ منها مقاطعا كاملة ويتأثر بها ويتقمص شخصياتها.

كان في مقالاته عاشقا وفقيرا وخائفا ومتشائما ومتفائلا ومريضا عاجزا ومثقفا ويتيما وفارسا من زمن غابر، فاستطاع بسلاسة أسلوبه وبرشاقة كلماته أن يصل المواطنين على اختلاف طبقاتهم، لم ينس أحدا في مقالاته، كتب عن أبو العبد وأم العبد وسلمى والناموس وتشيخوف والمدينة الطبية وعن الغيم.

طمليه الذي كان يعتبر الرقم (13) هو رقم الحظ بالنسبة له، رحل في الثالث عشر من تشرين أول قبل عامين، وبالرغم من أنه توفي بعد صراع دام خمس سنوات مع السرطان، كان يقول “لست نادما على شيء ولو قدر لي أن أعيش مرة أخرى لاقترفت نفس الطريق بما في ذلك مرض السرطان” “موت محمد طمليه ليس موتا فرديا فحسب، بل انهيار مدرسة بأكملها” هكذا وصف الكاتب يوسف غيشان موت طمليه في أحدى مقالاته، وأعترف غيشان بأنه وزملاؤه الساخرين رسبوا جميعا من مجرد الاقتراب من لغة طمليه، وأنهم مهما حاولوا ومهما سرب طمليه لهم من أسئلة وتساهل معهم في التصحيح إلا أنهم سيفشلوا جميعا وبجدارة.

الكاتب سعود قبيلات – في مقال له – وصف طمليه بـ “بالإنسان المختلف” وأن غيابه ترك فراغا كبيرا، ولكن أدبه سيظل على مر الأجيال رصيدا ثقافيا غنيّا بالقيم الإنسانية الرفيعة، ومساعدا على شحذ الأحاسيس المتبلّدة، ومعمّقا نظرة الناس لأنفسهم ولواقعهم في غمرة انهماكهم في حياتهم اليومية. كان يرى بأنه لم يعش بعد ولم يتراكم في حياته زخم يستحق الكتابة عنه، ويعتبر كل ما بحوزته من تجارب هي سخافات…

طمليه الذي حلم بكتابة رواية كان قد بدأ بكتابتها – كانت هي مشروعه الأول والأخير في الحياة- كان يعتبر كل كتاباته ما هي إلا خربشات طفولية من أجل تسخين يده وتدريبها لغايات اقتراف روايته الوحيدة التي سينافس بها كتّابا عالميين، مات ولم ينجزها، إلا انه ترك لنا زخم من كتابات هي أدب من نوع آخر.

ديانا حموري

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.