الرئيسية / منوعات / مبدعون يعاينون سؤال الدين والسياسة في الرواية الأردنية

مبدعون يعاينون سؤال الدين والسياسة في الرواية الأردنية

فيلادلفيا نيوز 

 

رأى مبدعون ونقاد أن المعرفة في ركب الفن والرواية واللوحة قادرة على هز الشجرة برفق، لافتين إلى أن الرواية تكتب للمتعة والبوح وخط حرف على دفتر الكون، وتحفل بزخم المعرفة، ومعتبرين أن كل رواية هي تجربة بحد ذاتها فيها من التفصيلات الروائية التي تختلف عن الرواية الأخرى.
وكان المبدعون والنقاد يتحدثون في الندوة التي أقامتها مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، ومركز “شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب”، والتي جاءت بعنوان “الرواية الأردنية: سؤال الدين والسياسة”، وشارك فيها كُلّ من: الروائية سميحة خريس ود.خولة شخاترة، والروائي جمال ناجي، وأدارها الكاتب هشام مقدادي.
ولفت المتحدثون في الندوة إلى أن مشكلة الروائيين مع السلطات السياسية لم تعد بذات الحدة التي ظهرت بها خلال عقود ما قبل الألفية الجديدة، لكن هذا لا يعني هذا حلول السلام الكامل أو الوئام بين الروائيين وبين هذه السلطات.
الروائية سميحة خريس رأت ان هذه الندوة تطرح عليها سؤالين يشكلان القلق الدائم أثناء الكتابة، “ويرافقان كل نص روائي أكتبه، منذ تجاسرت على الولوج إلى مساحات الريبة والمطبات الفكرية”.
وبينت أن السؤال الأول هو: الخروج عن هدف المشروع الروائي الجمالي، والذهاب مباشرة إلى الايدلوجي المحمل بالمعرفة، مهدرة حكاية الإنسان الذي يحمل في سعيه نحو الفن والحضارة انجازاً بشرياً قادراً على البقاء والتأثير.
أما الثاني، فهو “يتمثل في خسارة روحي الإنسانية لصالح الأفكار المؤطرة، تلك التي وجدت طريقها إلى الجماعات والتجمعات البشرية على هيئة قيم وحقوق وواجبات ومقدسات، وإن احتوت في نسيجها عكس كل ما تعلنه من نبالة وتنوير لصالح انحطاط وعتمة حالكة”.
وأضافت خريس أن الرواية تكتب لأجل المتعة والبوح وخط حرف على دفتر الكون، كما تحفل بزخم المعرفة، لكن كل هذا الجهد والفن والفكر لن يكون مهماً إذا لم يؤسس بجرأة للحلم، وإذا لم يكن الهدف الخفي أو المعلن هو أن تبدأ الحكاية من آخر حرف يضع نهاية الرواية كنص مكتوب.
وبينت أنه سط هذا الحقل من الالغام جاءت معظم رواياتها الأخيرة، وأنها كتبتها في حالة من الوعي النسبي، “إذ لا أقطع بيقين الوعي المطلق، الذي لا أتوقع أنه تسنى لكاتب على الإطلاق، وكنت أسأل نفسي في كل كلمة، هل لهذا النص قابلية الصمود أمام التفكيك النقدي. وأكدت أن “كثيرين لا يطرحون هذا السؤال من باب الاستهانة بالنقد ومعرفة أنه لم يقدم أطروحته المقنعة في تفكيك النصوص، ولكنني لست معنية بالحال الراهن، ولا تُرجف خطواتي عيون النقاد، بل أضع مخاوفي في مواجهة المستقبل لأسأل الزمن القادم: هل أضافت روايتي إلى الجمال والإبداع لوناً لائقاً؟ وهل ساعدت في ترسيخ معرفة ووعي جديدين ولو بقدر نزير؟”. وتحدثت خريس عن روايتها قائلة “عندما كتبت رواية “يحيى”، كانت المرة الأولى التي أذهب فيها مباشرة إلى عين الشمس، لم أعد أتخفى وراء الجماليات واللغة الرفيعة والأنماط السائدة وألعاب التجريب، ولكنني أقتحم بحماقة مدججة بالخوف أرض الديني والسياسي معاً، لأنني وقد اجتزت حياتي الخاصة دون ضربات مباشرة توقعني، وسط ساحة يجري فيها تبادل قصف عنيف من كل صوب وحدب، بت أرى بوضوح ارتباط الجانبين “الديني والسياسي” وتأثيرهما المخيف في بعضهما البعض”.
وأضافت “في رواية “القرمية”، هناك مقولة أسعى إلى استنباطها من ثورات الناس المنتكسة، ولا يشبه ارتدادي في “شجرة الفهود” و”دفاتر الطوفان” حيث تلعب العاطفة دوراً كبيراً في انقاذ تجربة الماضي من الضياع والتبدد دون جدوى”.  وأكدت أنه في قراءة لجماليات كل عمل فني، يحاول الجمال التصدى للقبح، وهذه “ميزة أحاول استغلالها في النص كي أنفذ برأى ينظر إلى الحياة على أنها مسرح للخير لا للشر وحده، من هنا كانت الإفاضة في روايتي “يحيى” لكل جوانب الحياة وفنونها ومشاعرها الطيبة في قلوب الشخوص، لم يكن التعريج على جماليات الطبيعة والفنون والحرف والعلوم والعشق والعلاقات الاجتماعية الطيبة صدفة، أو سعي نرجسي لاستعراض معرفي، وإثقال كاهل القارئ بأبحاث كلفتني جهداً وزمناً”. وقالت خريس “كنت أحاول تأثيث العالم بما ينقذه من شريعة الغاب، محيطة الإنسان بالمنجزات الحضارية التي دفع ثمنها في عصور متعاقبة، كنت وسط هذه المعرفة المجملة بمقاصد الخير للبشرية، أحاول أن أجتاز ببطلي مسيرة الحياة في درب من الخير، حتى إذا استدعى عقله، وهو لا شك سيستدعيه كابن للحضارة، فإنه سيستخدم عقلاً قادراً على تفنيد كل ما من شأنه الإساءة إلى هذه الحياة السليمة الطوباوية إذا شئنا، لهذا كان “يحيى” قادراً على رؤية ما لا يرون، شجاعاً في مجابهة أفكاره وأفكار مجتمعه”.
الروائي جمال ناجي، وفي استعراضه لسؤالي الندوة، بين أنه في رواياته لم يقع في شرك الامتثال للنصوص أثناء تعامله مع الواقع المتغير والمتطور، “بل استوحيت منها أبعادا وأحداثاً روائية استفادت من النتائج التي أرستها المسارات التطبيقية لتلك النصوص على مدى قرون وعقود”.
وأضاف “لو سئلت عن أسباب إحجامي عن الامتثال العقلي والفكري الكاملين لتلك النصوص، لأجبت من دون تردد: إن مثل هذا الامتثال يهبط بالعقل الإنساني إلى مستوى قدر المرق، كما أنه لا ينتج إلا أدباً كئيباً بارداً.
وفي مقاربته حول الأنماط الرقابية الحديثة، بين ناجي أنه “ورغم التراجع في حالة الحريات الإبداعية في عالمنا العربي، الا أن الألفية الجديدة شهدت استبدالاً للرقيب التقليدي بما يمكن تسميته (المدعي العام الروائي)، وهو المدعي المكلف أو المتطوع الذي تناط به مهام رصد ومتابعة الأعمال الروائية، وتقديم أصحابها إلى المحاكم، وتحشيد المناكفين وشهود التكليف، كما حدث ويحدث في عدة بلدان عربية”.
وأكد الروائي أن ما حدث في عالم الرقابة اليوم هو “إزاحة نوعية لدور ذلك الرقيب الذي ينتمي إلى ما أطلق عليه “الحرس السياسي القديم”، وتم استحداث وظيفة الإدعاء العام الروائي، الثلاثية الأوجه”. وأشار ناجي إلى أنه رغم أن ربط السياسي بالإبداعي، فما يزال موضوعا خلافيا ومثار جدل لم ينته إلى الآن، إلا أنهما احتفظا بعلاقات رفاقية تم تسديد فواتيرها من حساباتهما المشتركة على مدار العقود الماضية، كما أن الشراكة بين الديني والإبداعي “لم تجد لها مكانا ولا مأوى”، ولم تر النور بسبب ما تفرضه الأديان من متطلبات تبلغ حدود الاحتكام والامتثال الحرفي للنصوص”.
وبين ناجي أنه “ورغم انتفاء الشراكة بين الإبداعي والديني، إلا أننا ما نزال  نعاني من ازدياد زحف المحظورات في عمق المشهد الروائي العربي، الأمر الذي أدى إلى لجوء الكتاب إلى توظيف جملة من الحيل للتغلب على الرقيب السياسي والديني”.
وأضاف ناجي أن المشكلة الأكبر التي تكاد تتسيد لوائح المحظورات الروائية اليوم، هي تلك التي تنشب بين الحين والآخر مع متعهدي الدفاع عما يسمى “الحياء العام”، و”الأخلاقيات”، و”الإساءة لهذا المقدس أو ذاك”، واصفا هؤلاء الذي أصبحوا يمثلون سلطات من نوع جديد، بأنهم سلطات دينية واجتماعية، تستمد قوتها من القوانين النافدة، ومن الأعراف والتقاليد السائدة، ما يستدعي إعادة نظر جذرية في تلك القوانين والأعراف والمسلمات”. وخلص ناجي إلى أن الأشكال الرقابية الجديدة التي باتت تتحكم في مقاصد الروائيين ومصائرهم، إنما تستند إلى معادلات غريبة تطالب الكاتب بإخضاع روايته لعمليات تخسيس قاسية، أو إنقاص وزن سياسي أو ديني او اجتماعي قبل نشرها. وبالمجمل، فإن تلك المعادلات تحاول جر الكاتب إلى خيار الانضمام إلى جوقة “الروائيين التائبين”.
وتحدثت الدكتورة خولة شخاترة تحت عنوان “الرواية الأردنية وسؤالا الدين والسياسة: إطلالة على نماذج مختارة”، مبينة أن “الرواية الأردنية شغلت بالهم السياسي والديني، وقد ضرب الروائيون فيهما بسهم حلال أم حرام وفق تعبير ابن قتيبة، وإن كان بسياق مختلف، مع وعيي التام أن كل رواية هي تجربة بحد ذاتها تختلف عن الرواية الأخرى حتى وإن كانت للكاتب نفسه”.
وتوقفت شخاترة عند الثنائية الأولى، وروايتا “أنت منذ اليوم” للروائي الراحل تيسير سبول و”القط الذي علمني الطيران” لهاشم غرايبة، مبينة أنه رغم التباعد بينهما في تواريخ النشر، إلا أنهما تشيران إلى وجهة النظر تلك، فرواية تيسير سبول فيها “إدانة واضحة لكل أشكال الانتماء العقائدين سواء أكان دينيا أم لا؟”، أما رواية “القط الذي علمني الطيران” لغرايبة، فقد تضمنت، بحسب الباحثة، وجهات نظر متعددة ومتباينة تبعاً لاختلاف الأشخاص وتباين المواقف والانتماءات الفكرية.
واستعرضت شخاترة الثنائية الثانية وهي “يوم خذلتني الفراشات” و”نزلاء العتمة” للروائي زياد محافظة، مبينة أن في الرواية الأولى إشارة واضحة إلى حاجة السلطة ومصلحتها إلى التيارات الدينية كي تعزز نفوذها، وهي تشير إلى الغزل بين السلطة السياسية والتيارات الدينية، في حين بنيت الرواية الثانية “نزلاء العتمة” على ثنائية الموت والحياة، والسياسة والدين على التوالي. وأشارت شخاترة إلى الثنائية الثالثة، وهي “مقصلة الحالم” و”أفاعي النار” لجلال برجس، فالسياسة في “مقصلة الحالم” حاضرة بامتياز؛ إذ يحلم السارد، وهو يساري، بالتغيير وبمجتمع فيه حرية ومساواة وعدالة، أما “أفاعي النار” فحاولت الرواية أن تتعمق في الظاهرة الدينية والتطرف والتعصب في المجتمع، وكيف تحول المجتمع من متسامح، إلى حد ما، إلى حدود التطرف.
وخلصت شخاترة إلى أن كل رواية هي تجربة بحد ذاتها فيها من التفصيلات الروائية التي تختلف عن الرواية الأخرى، ويكفي هذه الروايات أنها أثارت أسئلة وبقي في أذهاننا الكثير من حوارات الشخصيات والكثير من المشاهد المؤسفة. الغد 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.