فيلادلفيا نيوز 

 يستمتع الأطفال عندما يقرأ لهم الأهل القصص والكتب التي تخاطب عقولهم بطريقة يفهمونها وَتُعبّر عن التجارب اليومية التي يمرون بها. إن القاعدة الذهبية التي يجب عليك أخذها بعين الاعتبار هي أنه عندما تحبّب طفلك بالكتاب، فإنك تجعل منه قارئاً مدى الحياة. فلا يجدر بالأهل أن يهملوا فترة الطفولة، ثم يتذكروا ذلك عندما يكبر الطفل ويصبح شاباً، فيشرعون يعيرونه بقلة ثقافته!! خصوصاً أن معظم شباب اليوم قد لا يقرأ الصحيفة اليومية إلا مرة واحدة في الشهر لأن سماع الأخبار من الراديو صباحاً في السيارة، أو التقليب السريع لصفحات الإنترنت بات يُغني الشاب عن حمله لكتاب أو مجلة يضطر إلى شرائهما.
على الأهل تشجيع أطفالهم على القراءة، فهي تنمي فيهم الإبداع والخيال ورهافة الحس وتمنحهم القدرة على التعبير عن النفس. ومفيد أن يشجع الأهل الإخوة الكبار على القراءة لمن هم أصغر منهم سناً، فذلك يقوي علاقتهم الأخوية، ويؤسس لعلاقة الاحترام فيما بينهم والإعجاب في عيون الصغار لإخوانهم الكبار. كما أن للمدرسة أيضاً دوراً أساسياً، وعليها أن تشجع الأطفال منذ الصغر على تصفُّح الكتب والبحث عن المعلومة بأنفسهم.
وهناك كتاب لكل مرحلة عمرية، فيمكنك أن تعوّد طفلك في مراحله العمرية الأولى على مطالعة الكتب الخاصة به. وهناك الكثير من الخيارات العملية ذات الأسعار المقبولة في المكتبات المحلية.. ابحث له عن الكتب المصنوعة من القماش، أو الكرتون المقوّى.. أو الكتب القابلة للثني، واختر له الكتب التي تحتوي على صور بسيطة ورسومات بألوان مبهجة ومرحة، وقد تجد بعض الكتب من الفلين التي يمكن أن يلعب بها في حوض الاستحمام.
فمنذ سن ستة أشهر ولغاية عام واحد، يزداد وعي طفلك لما حوله، وكلما عرضت عليه الكتب المصورة وحدثته عنها زاد إدراكه وسرّع ذلك في تعلُّمه الكلام. اختر الكتب الكرتونية السميكة ذات الألوان اللامعة والتي تحتوي على صور لأطفال آخرين، فهي تلفت نظره. في هذه السن يحب أن يتعرف الطفل على الأشياء باللمس والتذوق، دعه يلعب بالكتب السميكة ولا تعطه كتباً ورقية عادية لأنه قد يأكلها. وهناك كتب قابلة للغسل ويمكن للطفل أن يضعها في فمه. ابحث عن الكتب الصغيرة المُصممة لتناسب حجم يديه الصغيرتين والتي تحتوي على رسومات لأشياء مألوفة كالكرات وزجاجات الحليب. كما أن الكتب التي تحتوي الخرز أو تصدر الأصوات تعجبه وتشجعه على الحركة والاكتشاف. ويمكنك أن تحضر له ألبوم صور بلاستيكياً صغيراً يحتوي على صور للعائلة والأصدقاء ليتعلم أسماءهم ويميزهم.
وعندما يبدأ طفلك بالمشي، من سن السنة إلى السنتين، يزداد فضوله وحبه للتعلم، وتلفت نظره كتب الحيوانات ذات الأشكال والأحجام المختلفة، وصور وقصص الأطفال وهم يقومون بأعمال مألوفة؛ كالنوم، والأكل، واللعب. ويجذبه سماع القصص التي تحتوي على كلام إيقاعي بسيط، فيتعلم الكلمات الجديدة والجمل شيئاً فشيئاً. اجعل من قصة ما قبل النوم عادة، فهي تهدئ الطفل وتساعده على النوم، كما أنها تُعوّده على القراءة، وتنمي خياله.
ويمكن أن تقوم القصص بدور فعّال في تعديل الكثير من السلوكيات غير المرغوبة، وزرع القيم الجميلة في نفس الطفل. علّم طفلك كيف يُقدّم التحية والسلام من خلال القصص والتمثيل، أعطه الدور ليتجاوب معك في الكلام ، فهذا سيطور قدراته اللغوية أيضا.
ويُعد سن 3 إلى 5 سنوات من أهم المراحل العمرية في بناء وصقل الشخصية والميول. ويجب تشجيع الطفل في هذه الفترة على اختيار كتبه بنفسه، وهو بدوره سيبادر بتقليب الصفحات ومحاولة سرد القصة وتفسير ما يراه من صور وأشكال. يجب على الأهل أن يرووا القصص البسيطة والمضحكة للطفل بطريقة شيّقة، وذلك باستعمال درجات الصوت المختلفة وحركات الوجه المعبّرة، يلي ذلك سؤال الطفل عن رأيه في الأحداث، ومناقشته فيما يقول، ويجب أن تبتعد عن القصص المخيفة والصور المرعبة للطفل في هذه السن لأن وعيه يزداد.. ويزداد معه شعوره بالخوف. وأكثر ما يجذب انتباه الأطفال في هذه المرحلة العمرية الكتب التي تتحدث عن العائلة والأطفال ولعبهم وذهابهم إلى المدرسة أو إلى الشراء من البقالية.. كما أنهم يحبون تعلم الحروف والأرقام والأشكال الكبيرة الملونة، وينجذبون على قصص الشخصيات الكرتونية المعروفة، مثل “باربي، وتوم وجيري…” ويظهر الخيال وحب التمثيل واضحاً عند الطفل، فتراه يقص الحكاية، ويستمتع بتمثيل شخصياتها.
والكثير من الأطفال يتعلم القراءة جيداً في سن بين 5 و8 سنوات؛ لذلك تعد هذه الفترة مثيرة وممتعة للقُرّاء الصغار، كما أن الأطفال يحتاجون إلى الكثير من التشجيع من قِبَل ذويهم للمحافظة على الرغبة في قراءة القصص، خصوصاً مع كثرة الكتب المدرسية وتعدُّد المناهج. اختر له الكتب ذات الفصول الصغيرة الموضحة بالرسوم.. استمر في القراءة مع الطفل حتى يتقنها وحده. خصص زاوية للكتب في البيت يستطيع الأطفال الوصول إليها. وتحب الفتيات الكتب المتسلسلة، بينما قد يتجه الأولاد إلى الكتب الفكاهية المضحكة.
وفي المرحلة الانتقالية من مرحلة الطفولة إلى المراهقة؛ أي بين 9 و12 سنة، يجب أن يوفر الأهل للأطفال الفرص لارتياد المكتبات العامة باستمرار.
وقد تبدأ ميول الطفل واهتماماته تتضح في هذه السن، فتجده يبحث عن الكتب والموسوعات العلمية، أو كتب الإثارة، أو الكتب التي تتحدث عن الشخصيات التاريخية، أو القصص العالمية المبسطة.
أما في فترة المراهقة، بين 13 و15 سنة، فتجد الفتيان يسعون إلى سد الفجوة بين مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة.. والقراءة تساعدهم على تطوير إدراكهم ونضج حكمهم على الأمور. كما أن القراءة تستثمر مساحة كبيرة من خيال المراهق العاطفي جداً في هذه المرحلة، فقراءة كتاب واحد جيد قد يؤثر في نفس المراهق مدى الحياة. وهنا يأتي دور الأم والأب في توجيه الشباب نحو قراءة الكتب القيِّمة التي تطرح القضايا الإنسانية، وتبحث في قدرات الفرد، وتنمي طاقاته الإبداعية، وتصقل شخصيته. وأنسب الكتب في هذه السن هي قصص الأدب العالمي، والقصص التاريخية، والخيالية، والألغاز، والقصص الاجتماعية.
أما بعد الخامسة عشرة، فيحتاج الشاب والفتاة إلى قراءة الكتب التي تتحدّى ذكاء القارئ وتثير اهتمامه، ويجب أن تكون الكتب منتقاة بعناية لتناسب نضجه وإدراكه، وقد تكون مواضيع النقد الفكاهي للمظاهر الاجتماعية أكثر ما يشد انتباه الشباب في هذه المرحلة، ويساعدهم على صقل آرائهم والانفتاح على التجارب الشخصية، خصوصاً إذا تحدّثت الكتب عن شخصيات عالمية مشهورة لها إنجازات متميزة على الصعيد العالمي أو الثقافي أو الإنساني.
ولن ننسى أعظم الكتب وأرقاها، كتاب الله الذي يحمل أسمى المعاني الإنسانية العالمية المناسبة لكل مكان وزمان وسن. ومن الجميل أن نعوّد الطفل منذ الصغر على قراءة القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية المنزلة لما فيها من علم وحكمة أبدية سبقت التطور العالمي بآلاف السنين.

 كاتب وباحث تربوي