الخميس , مارس 4 2021 | 11:51 م
الرئيسية / منوعات / كيف تتابع الاستخبارات الاسرائيلية اتجاهات الرأي العام في البلدان العربية

كيف تتابع الاستخبارات الاسرائيلية اتجاهات الرأي العام في البلدان العربية

فيلادلفيا نيوز

 

بشكل متزايد ، اصبحت اجهزة الاستخبارات تستمد القسم الأكبر من معلوماتها من المصادر العلنية ، وهذا ما تؤكده التجربة الاسرائيلية بالتحديد ، حيث يقول باحث اسرائيلي: (مع الاحترام للعملاء ولأجهزة التنصت والرصد المختلفة فإن القوة الصاعدة في الاستخبارات الإسرائيلية هي تحليل المعلومات العلنية من الصحف والشبكات الاجتماعية ،فأول ما يقرأه رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كل صباح ، حاليا ، ليس تقريرا سريا للغاية وإنما تقرير يسمى، نبدأ الصباح  ، مستمد مما تنشره الصحف العربية. اي ان هناك في اسرائيل من يضع إصبعه طوال الوقت على نبض الشارع العربي لفهم آفاق الأزمة السياسية ،أما التقارير المتعلقة بما فعله الحكام العرب في الليلة السابقة أو القرارات التي اتخذوها أو التي سيتخذونها ، فهذا شأن آخر).

وتتيح المعلومات العلنية للاستخبارات الإسرائيلية جس نبض الجمهور العربي ومعرفة مشاعره وأمزجته السياسية. ولا يتعلق الامر ، هنا ، بمعلومات عن منظمات إرهابية ، وإنما رأي الناس في الأحداث الجارية. ففي الحرب على غزة ( عملية عمود السحاب ) العام 2012 ، لم يكن واضحاً بالنسبة لاسرائيل كيف سيتعامل الشارع المصري مع الحرب. فكان ان عرض رجال الاستخبارات العلنية معطيات تفيد بأن الجمهور المصري مشغول تماماً بحادث سير أودى بحياة 54 طفلاً انذاك ، وكانت الشبكات الاجتماعية في مصر مكتظة بدعوات لمرسي للكف عن كونه رئيس فلسطين والانشغال بالهموم المصرية ، ومن تحليل المعلومات من الإذاعة والتلفزيون والصحف والشبكات الاجتماعية ، خلصت الاستخبارات الإسرائيلية إلى تقدير بأن «عملية عمود السحاب» حدث هامشي بالنسبة للجمهور المصري.وقاد هذا النجاح شعبة الاستخبارات العسكرية ، للاهتمام أكثر بتقدير نتائج الانتخابات المصرية في أيار 2014 ، ومحاولة الإجابة عن أسئلة ، مثل : هل سيفوز عبد الفتاح السيسي؟ ماذا ستكون نسبة التصويت؟ وإلى أي حد ستعتبر الانتخابات شرعية؟ فقد انتهى عهد الفوز بـ99 بالمئة من الأصوات، وتوجد اليوم منافسة وحملات انتخابية بطابع غربي.

ومن أجل معرفة ماذا سيحدث ، برزت الحاجة إلى معلومات على مستوى عال، ولذلك لجأت الاستخبارات إلى تجنيد ضباط ذوي خبرة في علوم الاجتماع و«سيكولوجيا الجماهير» و«الأنثروبولوجيا» ، واخذت تفحص دعايات المرشحين ، وموقف الأزهر ، ومدى صدقية استطلاعات الرأي. وهذا يستدعي متابعة عشرات الالاف من مصادر المعلومات العلنية ، التي يجري تحليلها ودمجها في تقديرات مواقف سياسية ذات أثر بعيد المدى. ومثل هذه المعلومات كانت سابقا تصنف ضمن إطار أكاديمي ولا تدخل في الاداء العسكري اليومي.

الاختبار الصعب:

لقد مر الجنرال أفيف كوخافي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ، باختبار صعب ، فقبل توليه مهمات منصبه لم يكن الجيش كثير الاهتمام بمزاج الجمهور العربي ، ولم تكن الشعبة تعتبر ذلك جزءا من وظيفتها ، وكان رجالها يفضلون رصد نشاطات الأحزاب، وقادة الحكم ، فلم يكن أحد يعتقد أن لرجل الشارع تأثيرا في الاتجاهات السياسية.لذلك بقيت الاستخبارات وفية للفرضية القديمة المستترة التي تفيد بأن القادة والأحزاب يحركون المجتمعات ، واستمرت تبذل الجهود وتنفق ألاموال في محاولة الاقتراب من النخب. غير ان كل ذلك تغير يوم 25 كانون الثاني 2011.حيث وقع حدثان في ذلك اليوم: فقد انفجرت الاضطرابات في مصر ووقف رئيس شعبة الاستخبارات الجديد، كوخافي، وهو ضابط قدير جداً ، لأول مرة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست.واقتبست عناوين الصحف الاسرائيلية في اليوم التالي اقواله ، بأن لا خطر على استقرار الحكم في مصر. وقبل مرور ثلاثة أسابيع على هذا التقدير اطيح بالرئيس حسني مبارك.فحدثت ضجة داخل لجنة الخارجية والأمن وصدرت اتهامات ضد كوخافي بالفشل في تقدير الموقف. ودافع كوخافي عن نفسه بأنه فهم بشكل خاطئ وأن الاقتباسات خرجت عن سياقها ، وحاول رئيس اللجنة شاؤول موفاز ، التخفيف من الضجة ،  بتبرير صعوبة التنبؤ بخطوات شبان يديرون صراعهم عبر الانترنت. لكن الصورة النهائية كانت تفيد أن الاخفاق قد حدث. وفهمت الاستخبارات المشكلة ، وفهم كوخافي أن ثمة ثقبا أسود هائلا يسمى «الشارع العربي»، يحتاج إلى متابعة من دون آراء مسبقة.

بناء منظومة بحثية جديدة:

على ضوء ذلك الدرس ، شرعت وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات ببناء منظومة بحثية جديدة ، بقيادة ، العميد إيتي بارون. وتقرر أن على الاستخبارات فهم الميول السياسية السائدة لدى الجمهور العربي.واصبح لديها وسائل متقدمة لرصد وتحليل المزاج في «فايسبوك»، والمدونات ، والحوارات ، وكل مادة علنية ، ابتداء من مكالمات الهاتف وصولاً إلى بث القنوات التلفزيونية.وبسبب تغيير المقاربة صارت شعبة الاستخبارات تهتم بالسلوك السياسي للجمهور العربي، وبالمواضيع الاجتماعية.وفي العام 2014نالت الوحدة الجديدة جائزة رئيس الشعبة ، بعد ان نجحت في توقع فوزحسن روحاني في الانتخابات الايرانية خلافا لأجهزة استخبارات أخرى تنبأت بأن إيران مقبلة على ربيع موصية بتشجيع تدخل خارجي. واستندت خلاصة شعبة الاستخبارات على جمع معلومات عن المجتمع الإيراني وتحليلها عبر متابعة سجالات الشارع الإيراني والتركيز على هموم المواطن. وقد أظهرت الأبحاث العلنية أن الإيرانيين ، يرون أنفسهم قوة ذات عمق ثقافي مختلف عن كوريا. وهذا هو حالهم حينما سمح خامنئي لزعماء الدولة السياسيين بإجراء حوار مع «الشيطان الأكبر» الأميركي وبالتالي مغازلة الجمهور.وهكذا ، فإنّ تقدير شعبة الاستخبارات قاد إلى الاستنتاج بأنّ التغيير الذي تنطوي عليه الانتخابات الايرانية ليس شكليا وأن هناك فرصة جديدة. وربما حال هذا التقدير دون الإقدام على خطوات غير موزونة من جانب القيادة الإسرائيلية.

تغييرات تنظيمية :

قادت التغييرات في سلوك الجمهور العربي إلى تغييرات تنظيمية في شعبة الاستخبارات الاسرائيلية. واصبحت كل وحدة استخباراتية، سواء أكانت المختصة بايران او مصر أو الفلسطينيين أو الإقليم، تضم مجموعات تعمل في ما يسمى بـ«الاستخبارات الجماهيرية». وأنشئ داخل وحدة الأبحاث مركز لدراسة سلوك الجمهور ، وترأس هذا المركز دكتورة في علم الاجتماع هي (الرائد ميطال ) التي عملت سابقا باحثة رأي عام في قسم علم السلوك. ووظيفة هذا المركز، هي توجيه رجال الاستخبارات عند تحليل استطلاعات الرأي والميول في الشبكات الاجتماعية، وطرق قراءة السجالات العامة.كما أنشئ في الوحدة المركزية لجمع المعلومات الاستخباراتية المعروفة برقم «8200» مركز يسمى «سينغ». ويضم هذا المركز عشرات الباحثين الذين يرصدون ويحللون المعلومات العلنية في العالم العربي. ويسعى ضباط «الوحدة 8200» للحصول على معلومات حول مزاج الجماعات المؤثرة وقد يتطلب الأمر لتحقيق هذه الغاية الاستعانة بمصادر الاستخبارات السرية.ويرأس مركزسينغ او (وحدة سلوك الجمهور) الرائد موشي ، وهو دكتور في تاريخ الشرق الأوسط ترعرع في الاستخبارات. ولتقديرحجم المواد التي ترصدها الوحدة ينبغي الأخذ بالحسبان أن في مصر وحدها الان 55 صحيفة ممأسسة، وآلاف الصحف المستقلة والمحلية، و53 قناة تلفزيونية ممأسسة، و15 فضائيةوعشرات محطات الإذاعة المستقلة.ويشرح (الرائد موشي ) واقع أنّ إسرائيل لا تملك كرة بلورية لقراءة المستقبل. ويوضح قائلا : انّ السياسة العربية باتت حقا سياسة جديدة، وصار مستحيلا رؤية سوريا فقط عبر عيون الأسد ، أو مصر عبر عيون مبارك وعبد الفتاح السيسي. فالقادة العرب يتعاملون الان مع واقع مختلف ، ومراكز القوة باتت موزعة ، والنتيجة هي أنني صرت اليوم أكثر قدرة على وصف الأحداث في العالم العربي.

تطورات ميدانية :

في سوريا الان 1200 جماعة مسلحة ، ومن متابعة بعضها. علمت الاستخبارات الاسرائيلية أن تنظيم «القاعدة» يحاول التجسير بين «داعش» و«جبهة النصرة» وأن شيخا هاما أرسل للوساطة بينهما قتل وهو عند جماعة ثالثة. ومنذ ذلك الحين نشب صراع دموي بين تنظيمين لأنصارهما وجود قرب هضبة الجولان الأمر الذي يزيد احتمال اشتعال الصدامات على الحدود. ولذلك فإن الاستخبارات الإسرائيلية ترصد هذه المسائل ولا تكتفي فقط برصد الصراع بين الأسد ومعارضيه.وفي مصر هناك اهتمام الان بمزاج البدو في سيناء عبر رصد الشبكات الاجتماعية. ففي سيناء لم تعد المسألة جمالا وحميرا وإنما توجد أيضا شبكات متطورة ، خلوية وحاسوبية. وهناك كميات هائلة من المعلومات تتدفق ، والمهم هو ما يصل إلى طاولات التحليل والخبرة التي تتراكم.وللمقارنة، فانه حتى الثمانينات كان (ألبرت سوداي) هو الشخص المكلف بتحليل المزاج السياسي في مصر. وسوداي خبير في مقالات هيكل وكان يحلل للاستخبارات كل مقالة يكتبها. حيث كان الاعتقاد أن ما يكتبه هيكل هو ما يفكر به عبد الناصر. وكذلك الحال بالنسبة للعراق حيث كان إيلان كوهين يرصد اعلام النظام العراقي. ولم تتخل الاستخبارات الإسرائيلية عن هذا الأسلوب. لكن الرصد توسع ليشمل مجموعة أكبر من الكتاب والمعلقين.وفي فلسطين كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى قد اجبرت إسرائيل على البدء برصد مزاج الشارع حينما تبين أن موقف النقابات واتحادات الطلبة يعبر عن موقف الفصائل. وكان «الشاباك» حينها هو الجهاز الذي يضم وحدة صغيرة لدراسة المجتمع الفلسطيني واليوم صارت هذه الوحدة دائرة كاملة. ويحاول الباحثون فيها رصد اتجاهات الشارع الفلسطيني.

اهتمامات جديدة:

بحكم المتغيرات المستجدة ، اصبحت الاستخبارات الإسرائيلية شديدة الاهتمام بالاوضاع الاقتصادية للمجتمعات العربية والإيرانية. وكانت خلاصة ندوة عقدتها الاستخبارات قبل عامين أنه من أجل فهم أثر الاقتصاد على السياسة من المهم دراسة «اقتصاد الظل» في العالم العربي ، مثل اقتصاد «حزب الله» واقتصاد الحرس الثوري في إيران والجيش في مصر. وبعد تشكيل وحدة خاصة بهذا الشأن تضاعفت كمية الأبحاث المتعلقة بالشركات العربية أربع مرات ، بل أن أحد هذه الأبحاث توقع إطاحة الجيش المصري بمرسي قبل شهور من حدوث ذلك. وركزت أبحاث أخرى على الطبقة الوسطى في المنطقة وموقف المجتمع الإيراني من الاتفاقيات مع الغرب.

الاستخبارات الجماهيرية :

برغم كل ذلك التطوير ، فإن منظومة الاستخبارات الجماهيرية في اسرائيل لا تزال تحبو ولم تشكل لنفسها عقيدة قتالية واضحة. لكن الأمر المؤكد هو أن تقدير الموقف الذي لا يستند إلى تحليل للمعلومات العلنية يبقى جزئيا بل وخاطئا.

القوة الناعمة:

في ذات السياق ، لاتزال جدلية «القوة الصلبة» و«القوة الناعمة» التي أطلقها الأميركي جوزيف ناي قبل عشرين عاماً، تفعل فعلها. والقوة الناعمة ، ببساطة : انه اذا كان يمكنك الحصول على ما تريد من طرف ما إذا ما هددته باستخدام العنف والإكراه ، فهذه هي«القوة الصلبة»، أما إذا أقنعته بأن يفعل ما تريد طواعية فهذه هي«القوة الناعمة»، وعبر التناغم بين القوتين ، يتحدد مركز الدولة في النظام الدولي. وبينما تعتبر مؤشرات قياس القوة الصلبة معروفة ، يصعب تحديد مؤشرات واضحة لقياس القوة الناعمة بدقة. فعناصر القوة الصلبة يمكن قياسها وفق بيانات متوافرة تشمل القدرات الدفاعية والاقتصادية والتكنولوجيا والعلاقات ، ويمكن التوصل بعملية بحث بسيطة إلى معرفة العوامل الثابتة (المساحة الجغرافية وعدد السكان، الاقتصاد ، الجيش…).الا ان عناصر«القوة الناعمة» تستعصي على التقدير والتقييم السريع ، ولا يمكن قياسها وفقاً لبيانات إحصائية.

العلم هو المعرفة المنظمة:

على أحد جدران الطابق الثاني ، في مبنى مكتبة الكونغرس ، الذي يحمل اسمه ، نقشت عبارة ماديسون : (العلم هو المعرفة المنظمة) كتجسيد عملي ورمزي لمعنى القوة الناعمة ، التي تتجسد في الصور والرموز والعلامات ، بينما مجال عمل القوة الصلبة هو الردع. القوة الصلبة تستعمل القدرات العسكرية والاقتصادية ، لكن القوة الناعمة تركّزعلى الرموز والقيم الثقافية. وبينما تستهدف القوة الصلبة الحكومات ، فان القوة الناعمة تستهدف المجتمعات والافراد. وفي النموذج الامريكي ، فان الولايات المتحدة الأميركية تعتبرأكبر منتج في العالم للأفلام والمسلسلات ، وتمتلك القسم الأكبر من المواقع على الانترنت، وهي البلد الأول المفضل للمهاجرين. وفيها العدد الأكبر من العلامات التجارية ، وهي البلد الأول في مجال نيل جوائز نوبل في العلوم ، والثاني في الأدب. كما تمتاز عن كل منافسيها بأنها البلد المتعدد الثقافات ، ويعد انتخاب أوباما ذي الأصول الأفريقية رمزاً لقوتها الناعمة ، وتجديداً إيجابياً لصورتها الذهنية المتردية على يد سلفه جورج دبليو بوش.

لكن لكل قوة حدودا ، وللقوة الناعمة ايضا حدودها..

 

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.