الرئيسية / منوعات / كبار السن يستذكرون أجواء رمضان أيام زمان

كبار السن يستذكرون أجواء رمضان أيام زمان

فيلادلفيا نيوز

رجع الحاج السبعيني أبو عبدالله الخوالدة بذاكرته إلى الوراء، إلى مائدة الإفطار في رمضان قبل عقود خلت، مستحضرا ذكريات طفولته في هذا الشهر المبارك، في مدينة الزرقاء.
تنهد أبو عبدالله قائلا:” سقا الله هذيك الأيام كانت الحياة بسيطة ومليئة بالحب والعفوية، والتسلية الوحيدة للناس بعد الإفطار تقتصر على زيارات الجيران والأقارب”.
وقال إن هناك تغيرات كثيرة طرأت على المجتمع الأردني بين تلك الفترة والآن، و”الأسعار في ذلك الزمان كانت منخفضة، ولكن السيولة بين الناس قليلة، ما كان يضفي صبغة عامة على المجتمع، وهي تقارب الطبقات فيما بينها”.
الحاجة مهدية، من مدينة جرش (74 عاما) تفتقد صوت المدفع، وصوت المؤذن من دون مكبرات الصوت، وتبادل أطباق الطعام بين الجيران قبل الغروب، وتراكض الأطفال في الحارة لشراء الفول.
وتؤكد أن الناس قديما كانوا يستعدون لاستقبال رمضان بإعداد “المونة” المتمثلة في القمح والخضار المجففة وزيت الزيتون، ومشتقات الألبان وسمن بلدي، مشيرة إلى أن أصناف الطعام التي تعد اليوم من الكماليات لم تكن معروفة من قبل. 
ومع قدوم شهر رمضان المبارك في كل عام تعود ذاكرة كبار السن إلى الوراء، عشرات السنين ليستذكروا بعض الذكريات الجميلة والأحداث الأجمل المرتبطة بالشهر الفضيل، والتي كانت تضفي عليه سعادة وحبورا، وتميزا أكثر من غيره من الشهور.
ولا ينفك كبار السن في جلساتهم يروون لأحفادهم طقوسا عايشوها في رمضان وقت طفولتهم وشبابهم، كما يقارنون بين الحياة في ذلك الوقت وما يعيشونه الآن في ظل التطور التقني والتكنولوجي، وفي ظل ارتفاع الأسعار وما طرأ على نمط الحياة من تغيير.
وبغض النظر عن بقاء أو غياب تلك المظاهر والعادات الرمضانية القديمة، إلا أن الذاكرة لم تنسها، فالأجداد والآباء يحكون تلك الذكريات على موائد الإفطار، لتبقى محفورة بالذاكرة، كونها إرثا يمكن تدوينه في الكتب والتاريخ.
كما تحن في حسرة، الستينية أم زهير، إلى أيام زمان وتقول “كانت النساء والأطفال يحملون طبلية العجين وصينية القطائف إلى الفرن (الفران) الوحيد في الحي، وما أكثر ما حدثت مشادات بين صاحب الفرن والزبائن، لعدم احترامه الدور، وتفضيل أحدهم على الآخر”. وتضيف “كانت رائحة القطائف تملأ أركان الحارة، وما أكثر ما كانت المرأة تعطي أي طفل تصادفه في الشارع، حبة قطائف، والأروع، وفق ام زهير أن الجيران كانوا قبل الإفطار بقليل يقومون بإرسال صحن كبير من طبخة ذلك اليوم، مع عدد من حبات القطائف، أو صحن “الحلو” لبعضهم.
الاختصاصي الاجتماعي، الدكتور حسين محادين، يبين أن المجتمع الأردني في السابق كان يتسم ببطء التغير بحكم محدوديته، بالإضافة إلى التشابه الكبير في المستويات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع وجود تشابه في طبيعة الأعمال.ويضيف أن التحولات، من انتقال المجتمع، من بسيط إلى معقد، وتقسيم العمل الدقيق، وتنوع الأعمال، أسهم بدوره في زيادة وتنويع مصادر الدخل، وعمل على إيجاد تراتب اجتماعي في منازل الأشخاص ومكاناتهم. وبما أن الدين جزء أساسي من منظومة المجتمع الثقافية والحضارية فقد طالت هذه التغيرات مظاهر التعبير في شهر رمضان، الأمر الذي خلق نوعا من التمايز بين مستويات وطبائع وأولويات الناس، في رمضان، بين الماضي والراهن.
ويوضح محادين أن من هذه المظاهر الزيادة في النمط الاستهلاكي، وضعف العلاقات الأسرية إلى حد كبير، وانتشار القيم الفردية، ومن هنا فإن كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع تعكس خصائص وطرق التعبير عن رمضان، رغم بقاء المصدر الديني الواحد في الشهر الفضيل.
الستيني أبو فارس من مدينة نابلس، بفلسطين يقول “ابتداء من أول يوم من أيام رمضان، كنت أشاهد في السوق أثناء تجولي رجلا غريب الهيئة أسود البشرة، يرتدي الملابس المغربية، يحمل بيمناه عصا، وعلى كاهله كيسا، وينادي بصوت جهوري “فطرة تمام، زكاة الصيام، سنة الرسول عليه الصلاة والسلام”. كان يخيل لأبي فارس أن هذا الشخص هو “رمضان”، أو أنه لا رمضان بدونه، إلى أن علم أنه يحضر في كل عام إلى المدينة ليجمع ما تيسر له من “فطرة” الصيام.
يشير خبير التراث، نايف النوايسة، إلى أن الإنسان يميل في العادة للبساطة في حياته – وهذا ما ندركه جميعا عند الانتهاء من العمل بكل تكاليفه الرسمية: فهو يعود إلى بيته بعد كل هذا العناء، ليعود إلى بساطته، بلباسه ولغته غير المتكلفة. كل هذه الأمور، ذات علاقة بالحياة، يعشقها ويحن إليها كبار السن، في مثل هذا الظرف المهم الذي ينتظره كل واحد منا، ألا هو شهر رمضان.
ويضيف، في هذا الشهر عادات وتقاليد. وكلما صارت ملتصقة بوجدان الإنسان استذكرها دوما، خصوصا وأن الإتيكيت الصارم لا يتناسب مع عادات رمضان، فلا بد أن يسترخي الإنسان، وهذا ما يبحث عنه كبار السن، من خلال التواصل والحميمة والدفء في العلاقة.
يفتقد كبار السن لطعام رمضان وأكلاته الخاصة في مثل هذه الأوقات، حسب النوايسة، كالفطيرة والعيش والرشوف والمجللة والفتة، مثلا و”اللزاقي” التي كانوا يصنعونها من الخبز البلدي، ويدعونها تنضج على الصاج، ثم يضعون عليها السمن والسكر، وهي من أشهى الأكلات الشعبية التي يحن إليها كبار السن، بعد أن “شح” الصاج والخبز البلدي في هذه الايام.ويضيف إلى جانب افتقادهم للعصائر التي كانوا يحضرونها بأيديهم. فهذه الأمور كلها بسيطة، لكنها مريحة، وكانت تجتمع عليها العائلة في الفطور والسحور. كما كان للسحور أجواء خاصة، فالجميع ينتظر مجيء المسحراتي ونداءه (يا نايم وحد الدايم).  كل هذه الأمور “اختفت وتراجعت وغاب رونقها وجمالها”، وفق النوايسة الذي يعزو ذلك إلى اجتياح الكثير من مظاهر الحياة المادية الجديدة “هذا الشهر يعيد ترتيب مزاج الإنسان، ويضع البوصلة النفسية في مكانها الصحيح، سواء بالأكلات أو العلاقات الاجتماعية”.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.