الرئيسية / بورتريه / في ذكرى استشهاد عمه وصفي :أربعون عاما من البكاء .. فهل يكفي ؟

في ذكرى استشهاد عمه وصفي :أربعون عاما من البكاء .. فهل يكفي ؟

374670_2561827280512_1098975881_32990634_1214152703_n 

مصطفى وهبي معين التل يخص “فيلادلفيا” بمقال في ذكرى استشهاد عمه وصفي :أربعون عاما من البكاء .. فهل يكفي ؟

كان عمري ست سنوات عندما استشهد عمي وصفي رحمه الله.

 

اربعون عاما أعود فيها في كل تشرين ثاني طفلا عمره ست سنوات.

 

اربعون عاما أعود في كل تشرين ثاني الطفل الذي ادرك معنى الموت ومعنى الشهادة لأول مرة.

 

كيف تشرح لطفل في السادسة معنى الموت ومعنى الشهادة؟

 

يوم 28 تشرين ثاني عام الف وتسعمائة وواحد وسبعين انحفر في ذاكرتي كطفل ويعيدني كل عام ليوم حزين غريب في حياة طفل.

 

مديرة المدرسة التي اخرجتني من الصف والدمع في عينيها.

 

الرهبة التي شعرت بها عندما وجدت والدي ينتظرني في مكتب المديرة والحالة التي كان بها.

 

والدي كان ولا يزال الصخرة التي ألجأ اليها وأحتمي بها لكن في تلك اللحظة, قبل اربعون عاما في ذلك اليوم المشؤوم وفي داخل مكتب المديرة لم اعرف والدي من الحالة التي كان بها.

 

قبل اربعين عاما تعلمت معنى الرهبة التي تمنع طفلا من الكلام دون ان يطلب منه عدم الكلام.

 

لم ينطق والدي بأية كلمة في تلك اللحظة.  مد يده لي كمن يتمنى ان يجد بعض الاطمئنان من طفله الصغير. 

 

لا أعرف من منا قاد الآخر إلى السيارة لكن المسافة من مكتب المديرة مرورا بساحة المدرسة إلى السيارة في الخارج كانت طويلة جدا.  والدي لا يتكلم وانا خائف من النظر إليه.

 

الطريق من مدرستي إلى مدرسة اختي التي كنا نسلكها كل يوم أخافتني في ذلك اليوم.

 

الانتظار في السيارة بينما ذهب والدي لاحضار اختي من مدرستها أرعبني.

 

أخيرا وبعد ان جلست اختي بجانبي، التفت والدي إلينا وقال بصوت أقرب إلى الهمس لم أسمعه منه من  قبل:  عمكم وصفي مات.

 

عمكم وصفي مات.

 

ماذا يعني هذا لطفل في السادسة من عمره؟

 

لماذا هذه النظرة الغريبة على وجه اختي ولماذا بدأت بالبكاء؟

 

مالذي يحدث؟  لماذا يتصرف والدي هكذا ولماذا تبكي اختي؟ 

 

عمكم وصفي مات.

 

ماذا يعني هذا؟

 

سأنظر من نافذة السيارة واتخيل اننا نعود إلى المنزل بعد يوم عادي في المدرسة.  ابي يسألنا عن المدرسة ونتنافس انا واختي في الاجابة. 

 

لم نذهب إلى المنزل وانما ذهبنا إلى منزل عمة الوالد في جبل الحسين وهناك كانت صدمة اخرى جديدة لطفل في السادسة من عمره.

 

والدتي وقريباتي ونساء لا أعرفهم موشحات بالسواد. 

 

صراخ وعويل وبكاء.

 

مالذي يحصل؟ 

 

عمك وصفي مات.

 

ما هو هذا الموت الذي يحطم والدي ويبكي اختى ويقود كل هذه النساء إلى الجنون؟

 

حاولت الالتجاء إلى والدتي لعلها تعيد الحياة إلى طبيعتها.  أليست هذه وظيفة الامهات؟

 

لكن في تلك اللحظة لم تكن امي الملاذ الذي تعودت عليه حتى يومنا هذا.  في تلك اللحظة كانت امي شخاً آخر يبكي ويتفوه بكلمات لم اعرفها.

 

قتلوه ….

 

استشهد …

 

مات ….

 

عمك وصفي مات.

 

هربت واختبأت في زاوية بعيدة قدر الامكان من النساء الموشحات بالاسود ومن العويل والبكاء.

 

لكن مخبئي لم يحجب رنين البكاء والعويل في اذني. 

 

هذا البكاء والعويل والصراخ الذي يعود ليصم سمعي كل يوم ثامن وعشرين من تشرين ثاني.

 

هذا البكاء والعويل والصراخ الذي يعيدني طفلا كل يوم ثامن وعشرين من تشرين ثاني.

 

نمت في مخبئي ولم يبحث احد عني.

 

كيف تركوني انام وحيدا؟

 

استيقظت كما نمت وحيدا في مخبئي في صباح اليوم التالي.

 

اين امي وابي ولماذا انا مختبئ؟

 

هل كنت احلم وما معرفة ابن السادسة بالاحلام؟

 

نظرة واحدة خارج مخبئي اعادت الخوف والرعب إلى قلبي الصغير.

 

لم يعد هناك صراخ وعويل لكن بكاء صامت ونظرات بعيدة من عيون خالية من اي دليل على الحياة.

 

اخافني منظر النساء وكم رغبت بأن اكون في المدرسة بين اصدقائي بدلا من التواجد بين كل هذه النساء.

 

اخافني اكثر اصرار معظمهم على ضمي والبكاء والتحدث بكلام لم يعني لي شيئا في ذلك الوقت.

 

بعضهم تحدث عن الانتقام.  ماذا يعني الانتقام؟

 

بعضهم تحدث عن ضرورة حمل رسالة عمي.  عن اي رسالة يتحدثون؟

 

مرة اخرى الكل تحدث عن الاستشهاد والموت والقتل.

 

الوقت والزمان اختفيا.  لم يعد هناك وقت افطار او غذاء. 

 

حتى الملاذ الاخير التلفزيون لم يعد كما كان.  ايات من القرآن دون توقف.

 

اخيرا نادتني والدتي وطلبت مني التحلي بالشجاعة والذهاب مع اختي وبنات عمة الوالد لالقاء نظرة اخيرة على عمي ولأكون الرجل بينهم.  سررت لحصولي هكذا ودون اي جهد على لقب رجل لكن ما معنى القاء نظرة اخيرة؟

 

بين منزل عمة الوالد والشارع الرئيسي الذي اصبح اليوم جزءاً من دوار مدرسة سكينة خطوات قليلة.  كم تفاجأت عند وصولنا للشارع الرئيسي بوجود اشخاص على مد البصر وعلى جانبي الشارع.  لماذا كل هذه الجموع هنا.  انهم هنا ليودعو عمنا وصفي كان جواب اختي.

 

اين سيذهب عمي وصفي؟

 

ماذا سيحل في العيد؟

 

من اعطى كل هذه الناس الحق في وداع عمي؟  انه عمي انا وليس عمهم.  انه حبيبي وليس حبيبهم.  اليس كذلك؟

 

الرجال كانت عيونهم حمراء والجهد الذين يبذلوه لتجنب البكاء واضح.  اما النساء فأن بكاءهن لم يتوقف ولم ينقطع سماعي له منذ خروجي من منزل عمة الوالد حتى وصولي للشارع.

 

فجأة صمت رهيب وصوت عربات من بعيد وما ان اقترب ما سمته ابنة عمة الوالد بموكب الجنازة حتى عاد البكاء للجميع رجالا كانوا اونساءً. 

 

الله اكبر …

 

الله اكبر …

 

وصفي … وصفي …

 

أبو مصطفى … أبو مصطفى …

 

من أمامنا مر النعش موشحا بعلم الاردن.  لم أعرف معنى النعش ولم أعرف لماذا ارتفعت وتيرت البكاء والصراخ عندما مر من أمامنا.

 

احدى بنات عمة الوالد قالت لي ان عمي داخل هذا النعش الموشح بالعلم الاردني. 

 

لم افهم لماذا عمي داخل النعش لكن في نفس الوقت لم أفهم كل ما جرى بالتالي لم اعد اسأل ولم اعد اطلب اجابات.

 

لم اسأل لماذا بقى الناس لوقت طويل في الشارع بالرغم من مرور الموكب.

 

لم اعرف انهم يواسو بعضهم البعض.

 

لم اعرف انهم لم يرغبو بالعودة إلى بيوتهم لأنه عند عودتهم عليهم سرد ما شاهدوه وهذا يعني الاقرار بأن وصفي قد استشهد.  كيف يموت شخص مثل وصفي؟  ماذا سيحل بهم دون وصفي؟

 

 عدنا إلى البكاء الصامت الرهيب والنساء واحاديثهم الغريبة وعدت إلى مخبئي إلى ان غلبني النعاس ونمت بعض الشيء.

 

استيقظت وتفاجئت بعدم سماعي للقرأن الكريم على التلفزيون.  هرعت إلى الصالون لمعرفة سبب توقف القرأن الكريم.

 

توقف القرآن فقط لنشرة الاخبار واجتمع الكل حول الشاشة الصغيرة وطغى الصمت على الجميع وهم يستمعون للأخبار.  كان المذيع يتحدث عن الجريمة وعن شهيد الوطن لقطات لنفس الموكب الذي شاهدته في عدة مناطق في عمان.

 

فجأة احسست بالخوف من جديد واحسست بفقدان شيء عظيم.

 

امامي على الشاشة النعش من جديد لكن خلفه اعمامي ووالدي ورجال. 

 

ماذا حدث للرجال؟ تسمرت عيني على اعمامي وعلى والدي.  هل والدي يبكي؟  كيف يبكي والدي؟  من هو في السادسة من عمره يدرك ان الآباء كالصخر لا يبكون.  لماذا يبكي والدي؟

 

لأول مرة منذ اصطحبني والدي من المدرسة بكيت بحزن شديد. 

 

من قبل كنت ابكي من الخوف ولرؤية الجميع من حولي يبكون.

 

لكن الآن ابكي لأني فجأة ادركت معنى الموت. 

 

لكن الآن ابكي لأني ادركت ان عمي لم يعد معنا.

 

ضاع الحلم وضاع العيد

 

رحم الله عمي وحبيبي وصفي

 

اربعون عاما وانا افتقدك واحن اليك.

 

اربعون عاما وانا ابكيك يا عمي.

 

 

مصطفى وهبي التل

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.