الأربعاء , أغسطس 12 2020 | 9:11 م

فليكن!

فيلادلفيا نيوز

حظي تقرير ديوان المحاسبة الأخير باهتمام كبير، كالعادة، في الأوساط السياسية والإعلامية. لكنّه أثار هذه المرّة ضجّة شديدة، وصل صداها إلى “مراكز القرار” العليا، على خلفية دراسة مهمة نشرها “الديوان” حول “الآثار المالية المترتبة على إعادة الهيكلة”.

 

النتيجة الرئيسة للدراسة تقول إنّه بخلاف التقديرات المعلنة من الحكومات، فإنّ الكلفة الإجمالية -المباشرة وغير المباشرة- لإعادة هيكلة رواتب القطاع العام، وصلت إلى 363.5 مليون دينار، فيما كانت القراءة الحكومية تتحدث عن 82.5 مليون دينار فقط.

 

 

لو توقفنا عند الأرقام الموجودة؛ فإنّ الكلفة الأولية لإعادة الهيكلة كانت صحيحة من حيث المبدأ (أي قرابة 85 مليون دينار). لكن ما حدث أنّ الأعوام الماضية شهدت احتجاجات كبيرة من قبل موظفي القطاع العام، الذين يطالبون بتحسين رواتبهم وأوضاعهم، وفي مقدمة هؤلاء المعلّمون (قرابة 75 مليون دينار)، والمتقاعدون (103 ملايين)، والجامعات (13 مليونا) والبلديات (12 مليونا)، بما مجموعه 285 مليون دينار.

 

لكن “الديوان” يضيف إليها كلفا غير مباشرة وفق تقديراته، ليصل المبلغ إلى أكثر من 363 مليون دينار أردني.
بعيداً عن الخلافات والنقاشات التي تجري في أروقة الحكومة والدولة في تقييم هذه الدراسة ونتائجها، وما يترتب عليها من دلالات وتداعيات سياسية، فإنّ الكلفة المشار إليها لم تذهب إلى الفساد، ولا في صفقات مشبوهة أو لمشاريع خصخصة مليئة بالثغرات.

 

 

بل إلى شريحة واسعة عريضة من المجتمع الأردني، ومن أبناء الطبقة العامة الذين كانوا يعانون الأمرّين لغياب العدالة في رواتبهم، وانتقلوا خلال الأعوام الماضية من الطبقة الوسطى إلى المسحوقة، وبعضهم أصبح من “الطبقة الارتوازية”؛ ونحن نتحدث هنا عن المتقاعدين والمعلّمين الذين لم يكونوا قادرين على التكيّف مع التحولات الاقتصادية الكبيرة التي تجري منذ أعوام.

 

الهدف المعلن من مشروع إعادة الهيكلة (وصاحب الفكرة هو وزير تطوير القطاع العام الأسبق مازن الساكت)، هو إزالة التشوهات في القطاع العام، وإيجاد نظام موحّد للموارد البشرية؛ عبر تحسين رواتب العاملين في هذا القطاع، وضبط رواتب العاملين في المؤسسات المستقلة، والحدّ من هذه الفجوة.

 

 

فيما كان هناك هدف آخر، في ظني، وراء مشروع الساكت، وهو إنقاذ الطبقة الوسطى في القطاع العام، أو على الأقل مساعدتها للوصول إلى الحدّ الأدنى.
كانت التقديرات الأولية بشأن الكلفة هي 82.5 مليون دينار، ثم ارتفعت بسبب تحسين ظروف المعلمين وأساتذة الجامعات والبلديات والمتقاعدين إلى 285 مليون دينار (كما تقول وزارة تطوير القطاع العام) أو 363 مليون دينار (كما يقول ديوان المحاسبة)! فليكن؛ بما أنّنا نتحدث عن تحقيق الحدّ الأدنى من إنصاف شريحة واسعة، ما تزال رواتبها دون المستوى المطلوب. فضمن هذا المعيار السياسي والاجتماعي والأمني، يبدو الأمر صائبا وجيدا، وجزءا من عملية إعادة بناء التوازنات الاجتماعية-السياسية، حتى لو كلّف خزينة الدولة نصف مليار دينار.
زادت النفقات الجارية؟ نعم، لكنّها ذهبت في اتجاه مطلوب لمعالجة اختلال بنيوي، بعد أن أصبح المعلمون وأساتذة الجامعات والأطباء والممرضون في القطاع العام يهربون إلى الخارج، فواجهنا تجريفاً هائلاً، فيما أصبح المتقاعدون دون خط الفقر بأميال بعيدة، بعد خدمة طويلة في الدولة!

 

 

الخشية هي أن يتم استثمار الدراسة في إدانة هذا المشروع، وجعله شمّاعة أو قميص عثمان لتحميله مسؤولية العجز والمديونية وفشل الإصلاح الاقتصادي، فيما يتعامى من لا يرون الطبقة الكادحة والشريحة العريضة، عن أسباب أخرى، منها الفساد، للأزمة المالية والاقتصادية.

 

من الخطأ ربط كل ما حدث بمشروع إعادة الهيكلة، أو التعامل معه بلغة رقمية مجرّدة. فهناك إجراءات خاطئة في زيادة الرواتب حدثت، وتثبيت عمال مياومة، وتضخم في القطاع العام والإداري، وسياسات استرضاء خلال الأعوام الماضية، كما هناك إجراءات صحيحة لدعم شريحة عريضة من القطاع العام.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.