الرئيسية / بورتريه / فاطمة البديري اولى الاذاعيات العربيات

فاطمة البديري اولى الاذاعيات العربيات

mikrofon

* هشام عودة

عندما نقل اثير الاذاعة صوتها ذات يومْ بعيدْ من عام 1946 وهي تقول بثقة تلازمها نبرة غير معتادة “هنا القدس” كان عليها ان تبدأ منذ تلك اللحظة بالتصدي لمن اعتقد انها كسرت المألوف في الحياة الاجتماعية العربية بشكل عام ، والمقدسية بشكل خاص ، وان تبدأ بمواجهة تلك العقلية التي تتبنى القول بان “صوت المرأة عورة” ، فكيف اذا كان هذا الصوت مسموعا للناس جميعا ، ويفرض حضوره في الاماكن العامة.

فاطمة البديري اول مذيعة عربية ينقل الاثير صوتها ، واول سيدة تجلس وراء الميكروفون لتقدم لمستميعها نشرة الاخبار ، التي ظلت حتى ذلك الوقت حكرا على الاصوات الذكورية ، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة عاصفة لم تهدأ ، الا عند وقوع النكبة التي ضاع فيها نصف الوطن .

في القدس ، ومن عائلة مقدسية معروفة ، ولدت عام 1923 ، وكان والدها موسى البديري قاضياً شرعيا في المدينة ، وله تلامذته الذين ينقلون عنه العلم في المسجد الاقصى ، ولم يعترض الوالد الازهري وهو يرى ابنته تغادر وظيفتها في المدرسة لتلتحق بالاذاعة ، رغم حجم الضغوط الاجتماعية التي واجهها ، وفي الاذاعة لم يكن الطريق الذي اختارته المذيعة الشابة سهلاً ، فقد بدأت ملامح المؤامرة البريطانية الصهيونية تتضح على فلسطين ، وكان معها في ذلك الوقت مجموعة من ابرز المثقفين والاعلاميين ، الذين اخذوا على انفسهم ادارة المعركة ، ومن بينهم المذيع عصام حماد الذي اقترنت به في وقت لاحق .

اكملت دراستها في دار المعلمات في القدس ودخلت ميدان الوظيفة مبكراً ، وعند انتقال الاذاعة الى رام الله ، واصلت الاذاعية العربية الاولى رسالتها ، وهي التي اتقنت اللغة العربية ، وامتلكت جمال الصوت وقدرة على الاقناع.

بعد اقالة حكومة سليمان النابلسي عام 1956 ، طورد زوجها الاذاعي البارز عصام حماد بسبب مواقفه السياسية ، فلجأ مثل كثيرين الى دمشق لتلتحق به زوجته الاذاعية ، وينطلق صوتهما مجددا ليقول هذه المرة “هنا دمشق” ، لكن تلك الاقامة لم تستمر طويلا ، اذ سافرت مع زوجها الى برلين التي كانت عاصمة المانيا الشرقية في ذلك الوقت ، لتبدأ مسيرة اخرى في حياتهما المهنية عنوانها هذه المرة “هنا برلين” استمرت لسبع سنوات.

لم تكن وظيفة ام مهدي قراءة نشرة الاخبار فقط ، على اهمية ذلك ، بل تعدتها الى اعداد البرامج والترجمة والتمثيل ، فقد مثلت مع زوجها عدداً من المسرحيات والتمثيليات الاذاعية ، وهي خطوة لم تلق القبول عند بعض الاقارب.

رائدة الاذاعيات العربيات ، والصوت الانثوي الوحيد الذي نافس اصوات الرجال في اثير الاذاعة التي بدأت من “هنا القدس” ليصبح الاثير والفضاء مليئين اليوم بالمذيعات اللائي يتذكرن تلك السيدة التي حطمت قيد الرفض قبل اكثر من ستين عاما ، وهي تدخل ميدانا كان شبه محرم على بنات جنسها .

ولأن “فرخ البط عوام” كما يقول المثل الشعبي ، فان الابن الاكبر للاذاعيين عصام وفاطمة يعمل مخرجا في التلفزيون الاردني ، مستفيداً من خبرة والديه وعلاقتهما الطويلة بالاذاعة واثيرها اللامحدود ، حتى وهو يختار التلفزيون مكانا لعمله الفني الذي يحمل توقيع مهدي عصام حماد.

شاركت الاذاعية الرائدة في عدد كبير من المؤتمرات العربية والدولية ، وكانت تجربتها المهنية مادة لكثير من الدراسات والابحاث التي تعاملت مع الاعلام ودور المرأة العربية فيه.

لم يتحقق حلمها بان تدفن في القدس ، فقد توفيت في صيف 2009 في عمان ودفنت فيها ، بعد ثلاث سنوات من رحيل زوجها ، ليظل اسمها في قائمة الرائدات العربيات في الاذاعة ، وقد حازت على تكريم مركز الاعلاميات العربيات ، ويمتلئ ارشيفها بالمواقف التي تستحق البحث والدراسة والتقدير.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.