الرئيسية / بورتريه / عوده القسوس / سيبقى الخضر لنا والمفتاح بايديكم !!

عوده القسوس / سيبقى الخضر لنا والمفتاح بايديكم !!

auodaqsos

 

فيلادلفيا نيوز –

عوده القسوس قامة الوطن الباسقة الشامخة كشموخ شيحان واباء اهل الكرك ، رجل لا يهاب السجن والنفي واعتاب المشانق اذا مس الوطن سوء ، في ضميره ووجدانه تسكن الكرك وامتزاج اصوات الاذان واجراس الكنائس التي تتماهي في حالة اندماج ثقافي ديني انساني  قل نظيرة ،ففي أواسط القرن التاسع عشر و ما تلاه، كانت الكرك المدينة الأبرز في جنوب الشام، وتعد مركزاً إدارياً كبيراً، ومنطقة إشعاع تعليمي، بالإضافة إلى نفوذها العشائري القوي المنسجم مع الطابع الاجتماعي في تلك الفترة ، وقد أسهم موقعها الجغرافي الحصين ووجود القلعة بحجمها الذي شمل المدينة كلها آنذاك، بالإضافة إلى قربها من خط سير الحجاج ، كل هذه العوامل جعلت من الكرك ذات مكانة فاعلة في إدارة المنطقة ، وذات تأثير واضح في حالتي السلم والحرب ، وقد زاد الواقع الديمغرافي في غنى المنطقة، من خلال الدور الفاعل الذي لعبته العشائر المسيحية مع العشائر المسلمة في تمازج مثالي عز نظيره.

ففي العام 1877م ولد عودة القسوس من عشيرة الهلسا ، وكان والده سلمان القسوس رجلاً قروياً بسيطاً عمل في الزراعة وتربية الماشية ، وكان أمياً في عصر أعتبر التعليم فيه غير ميسر، ولا يتماشى مع طبيعة الحياة وصعوبات العيش ، لكن عوده القسوس عرف بالذكاء والفطنة من نعومة أظفاره ، فألحقه والده بمدرسة الروم الارثذوكس في الكرك ، فدرس فيها ، وقد تعلم اللغة التركية إلى جانب اللغة العربية وكان متفوقاً في دراسته ، ولم يكن في تلك الأيام معاهد عليا قريبة ، وليس في مقدور الجميع السفر إلى الشام أو اسطنبول طلباً للعلم والشهادات الجامعية ، لذا عندما أنهى عودة دراسته في مدرسة الروم الارثذوكس انخرط في سلك الوظيفة الحكومية.

تم تعيين عودة القسوس حينها في محكمة بداية الكرك ، وهي وظيفة ليست بالسهلة وتعد منصباً محترماً لا يتوفر إلا للقلة المتعلمة ، وكان هذا التعيين عام 1900م.

واستطاع من خلال وظيفته وانفتاحه على الناس توثيق صلاته مع أبناء مجتمعه ، وقد استمر في هذه الوظيفة حتى العام 1906م ، حيث شكل هذا العام في حياته فاصلة تحول كبير دفعت به إلى الحياة العامة ، وإلى آفاق سياسية نضالية كبيرة ، فلقد انتخب عودة القسوس عضواً في المجلس العمومي لولاية سوريا، التي ضمت جل المنطقة العربية بين الحجاز والأناضول، وكانت هذه الخطوة فاعلة في وضع هذا الرجل في بؤرة التواصل الوطني القومي، في خضم تحولات متلاحقة مع دخول الحكومة العثمانية مرحلة التتريك والتمييز العرقي ، أو على أقل تقدير إهمال رعايا الدولة من غير الأتراك، وإثقال كاهلهم بالضرائب والتنكيل بأحرارهم ، وكان من إفرازات هذا الوعي، أن أسهم القسوس في الأحداث القومية والوطنية في أوائل القرن العشرين وتأسيس الإمارة.

بعد ذلك أصبح عودة القسوس مأموراً لإجراء الكرك، منذ العام 1908 م وحتى العام 1916 م ، ثم أصبح لفترة من الوقت مفتشاً للأعشار ، ودلت هذه المناصب على جدارته في الإدارة وتميزه في العمل، بالإضافة إلى مكانته الاجتماعية والعشائرية ، وقد توضحت معاناة العرب تحت حكم جماعة الاتحاد والترقي، وذراعهم في المنطقة والي الشام جمال باشا السفاح لشدة ما فتك بأحرار العرب، وعلقهم على أعواد المشانق في الساحات العامة ، وهو واقع مهد الطريق أمام قيام الثورة العربية الكبرى، وخلال امتداد جيش الثورة العربية جنوب وشرق الأردن بعد تحرير العقبة ، كان كبار رجال الكرك يتواصلون مع جيش الثورة وقادته الهاشميين، ومساهمين في التعبئة والإمداد العسكري ، وهو أمر وصل لأسماع جمال باشا، فألقى القبض على بعض هؤلاء الأعيان، و قام بنفيهم إلى الأناضول في وسط تركيا ، وكان من بينهم عودة القسوس ، وقد طال نفيهم هذا إلى ما يزيد عن العام ، أي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

بعد الانتصارات التي حققتها الثورة العربية، وخروج القوات التركية من شرق الأردن ، قام الأمير فيصل من خلال أخيه الأمير زيد بن الحسين، بتشكيل إدارة عربية جديدة في الكرك ، وعين عوده القسوس عضواً في محكمة البداية ومدعياً عاماً ، وقد قام بمهام هذا المنصب حتى تأسيس إمارة شرق الأردن، على يد الأمير عبد الله بن الحسين ، حيث عين عضواً في محكمة الاستئناف بعمان في العام 1921م ، وفي أعقاب أحداث عام 1923م في منطقة البلقاء اتهم بالمشاركة في حركة العدوان ،وحيث تم عزله ونفيه إلى مدينة جدة لستة أشهر ، وقد كان عوده القسوس منتمياً إلى الحزب الوطني الذي ظهر في تلك الفترة .

لكن العفو صدر سريعاً فعاد القسوس وعمل في المحاماة ، وفي أول انتخابات تشريعية انتخب نائباً عن الكرك في العام 1929م ، ومن ثم عضواً في المجلس التنفيذي ، وشغل منصب النائب العام حتى العام 1938م، حيث أحيل على التقاعد ، وكانت حياته العملية والسياسية حافلة بالأحداث والمنجزات، التي أهلته للتكريم على كافة الصعد وأعلى المستويات ، فقد حاز على عدد من الألقاب والأوسمة منها : النيشان الرابع المجيدي ، والنيشان الخامس المجيدي وكذلك ميدالية الحرب الفضية ولقب بك.

أما الحكومة الفيصلية في دمشق فقد منحته رتبة قائد ، وخلال خدمته ضمن الحكومة الأردنية حصل على رتبة زعيم فخري، ووسام النهضة من الدرجة الثالثة، ووسام الاستقلال من الدرجة الثانية ، بعد ذلك حاز على لقب باشا من بطريركية الروم الارثذوكس ووسام القبر المقدس من رتبة فارس سنة 1914، ووسام القبر المقدس من رتبة قائد أعظم.

وكان من حبه للثقافة والعلوم والتراث، أن قام بتأليف كتاب القضاء البدوي وطبع سنة 1936.

وفي الثاني من أيلول عام 1943 م توفي عودة القسوس في عمّان وعاد جثمانه إلى مسقط رأسه الكرك ، رافعاً بذلك راية الفخر والانتماء في سجل ذاكرتنا الوطنية الذهبي.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.