الرئيسية / بورتريه / عطا الله الطراونة .. من رجال عهود النضال والتأسيس

عطا الله الطراونة .. من رجال عهود النضال والتأسيس

karak_kalaa

فيلادلفيا نيوز – هزاع البراري

لعبت الديار الأردنية دوراً بارزاً في الحراك السياسي والاجتماعي في منطقة شرق المتوسط، منذ بواكير العصور الوسيطة، ففي فترة حكم المماليك برزت الأردن كقلب المنطقة، حيث كان للكرك والبلقاء مكانة خاصة في هذه الحقبة، مما دفع أمراء المماليك إلى إعمارها من خلال تشييد المدارس والمساجد، وتنمية المنطقة، وكان للكرك الحظوة في هذه الرعاية، فازدهر التعليم وبرز منها علماء وقضاة وفقهاء، وبقيت كذلك خلال حكم الدولة العثمانية، وإن تراجعت المنطقة في الربع الأخير من هذا العهد الطويل، فقد كانت الكرك أهم محطات طريق الحج الشامي، وبوابة شبه الجزيرة العربية، لذا حافظت على مكانتها الإستراتيجية، حيث ظهرت كنقطة ارتكاز خلال حملة محمد علي على بلاد الشام، وعندما تمادت الدولة العثمانية في ظلم الناس وقهرهم، ظهرت الكرك كشوكة في خاصرتها في ثورتها المؤثرة عام 1910.كان عطا الله الطراونة ابن المرحلة الساخنة، وابن العهود التي ساهمت في تشكيل وبناء المنطقة برمتها، فقد شكل مع كوكبة من أبناء الوطن حجر الزاوية في الأحداث الرئيسية والتحولات المفصلية التي ظهرت خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، ليكون الطراونة واحداً من المؤسسين البناة، في زمن كان الرجال فيه هم الثروة الحقيقية، القواعد الصلبة التي شيدت عليها الأوطان، والحصون الحصينة التي نافحت عن الوطن في أحلك الظروف وأعقدها، هذا هو عطا الله باشا الطراونة، الذي لم يأخذ حقه في التأريخ والكتابة، إلا بعض الإشارات هنا وهنالك، وبقيت كثير من مراحل حياته مجهولة، لكن منجزه في العهد العثماني ومن ثم الفيصلي، وعهد تأسيس إمارة شرق الأردن، تجعل من هذا الرجل صاحب سيرة حياتية وسياسية تستحق التوقف والتقدير.
 عطا الله باشا الطراونة ولد عام 1889، في بلدة الخالدية في الكرك، وكانت ولادته ونشأته في الفترة الأصعب في المنطقة، التي عانى فيها الناس الفقر وغياب التنمية، واستفحال سياسة حكومة الباب العالي على رعايا الدولة وخاصة العرب.
 نشأ في بيت والده الشيخ سليمان الطراونة، وهو شيخ له مكانته في الكرك وبين الناس، حتى عد من شيوخ الكرك في تلك الفترة، وقد لعب دوراً خدمته عشيرته ومدينته، وكان حاضراً في فعالياتها وأحداثها وحركاتها، وكان بيته ملتقى للرجال والضيوف وطلاب الحاجة، فكان هذه البيئة المؤثرة في صبا وشباب عطا الله باشا، الذي تشرب كل هذه الأجواء، فكانت مدرسته وجامعته، في مرحلة عز فيها وجود المدارس والمعاهد العلمية.
لم تتح الظروف المعيشية العامة، أن ينال عطا الله باشا الطراونة ما يستحق من تعليم لائق، فالمدارس نادرة وتتركز في القصبة، فبقيت العشائر تعتمد على نفسها أمداً طويلاً، لذا التحق عطا الله بالكتاب الذي قام عليه شيخ الدين الملتحق بالعشيرة، فيتعلم فيه الطلبة القراءة والحساب وحفظ سور من القرآن الكريم، مقابل أشياء عينية، كالطحين والسكر والأكل، لذا كان يطلق على هذا النمط من التعليم شعبياً « قراءة بيضة ورغيف « وكان عطا الله من الطلبة الأذكياء بدلالة ما حققه في حياته لاحقاً رغم انخفاض مستوى التعليم، لأن المعلم الحقيقي له هو الحياة، فقد كانت الكرك حاضرة مهمة، يظهر فيها انعكاسات ما يجري في الدولة العثمانية من اسطنبول وحتى اليمن.
كان عطا الله حاضراً ومشاركاً في الأحداث التي تعرضت لها الكرك في أواخر الحقبة العثمانية، فقد أدت ممارسات عسكر الحكومة التركية، وإثقال كاهل الناس بالضرائب الجائرة والتجنيد الإجباري، إلى اندلاع ثورة الكرك عام 1910، وهي التي عرفت في الذاكرة الاجتماعية بهية الكرك أو « الهبة « والتي كان من قادتها قدر باشا المجالي وحسين باشا الطراونة بالإضافة رجال كثر منهم الشيخ منصور بن طريف، وكان للشيخ عطا الله باشا الطراونة دور بارز في الثورة، شأنه شأن شيوخ ووجها ورجال الكرك ومحيطها، وهي الثورة التي جيش لها الدولة العثمانية الجنود والمدافع فقمعتها بوحشية، فاستشهد العشرات وشرد عدد من رجال المدينة، في حين اعتقل عدد آخر وزج في السجون.
لم يتخل عطا الله باشا الطراونة عن واجباته، فاجتماعياً كان شيخاً مهاباً عرف بالشجاعة والكرم، وتقديمه خدمة الناس على نفسه وأبنائه، وكانت له في العهد العثماني مكانة حتى أن نجله المقدم عيسى الطراونة، يذكر أن والده وصل إلى مراحل متقدمة في الوظيفة، فخدم في الكرك كعضو محكمة ومن ثم رئيس محكمة، وكان الشيخ الطراونة عربياً قومياً بالفطرة، فقد أدرك أن وحدة العرب هي السبيل لحل مشاكلهم وتحقيق نهضتهم، لذا كان داعماً للثورة العربية الكبرى، ورغم عدم مرور خط سير جيش الثورة بمدينة الكرك، إلا أنه أيدها وتابع أخبارها بكل اهتمام، حيث كانت البلاد تنتظر المنقذ من بعد قرون من الحكم العثماني المجحف، خاصة في مراحله الأخيرة.
 برز دور عطا الله الطراونة فكان من بين عدد من رجالات الأردن الذين أصبحوا موظفين في الحكومة الفيصلية، من أمثال عبد الله الدليمي، وتوفيق المجالي، عبد الهادي الشمايلة، زعل المجالي وغيرهم الكثير من مناطق الأردن المختلفة، ومن الوظائف التي شغلها في العهد الفيصلي، هو عمله في سلك القضاء، الذي تدرج فيه حتى أصبح رئيس محكمة كما يؤكد ذلك المقدم عيسى الطراونة، غير أن بعض المصادر الموثقة تؤكد أن عطا الله باشا الطراونة أصبح في العهد الفيصلي مديراً للمخابرات، وهو المنصب الذي شغله أيضاً عطا الله السحيمات من الأردن، واعتقد أن إدارة المخابرات في ذلك العهد، كانت معنية بالاتصالات وليس بمفهومنا اليوم للمخابرات.
 وصل إلى رتبة لواء في العهد الفيصلي، وهذا يدلل على المكانة التي تمتع فيها ليس في الكرك وحسب، بل في شرق الأردن وسوريا، وكان على تواصل عميق مع عدد كبير من رجالات الوطن الأوفياء، وتبادل معهم الرأي والعمل والمساندة، وعندما قام الأمير عبد الله بن الحسين بتأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، في ظل ظروف سياسية واقتصادية بالغة الصعوبة، كان الشيخ عطا الله الطراونة من رجال التأسيس، حيث وضع خبراته وإخلاصه في خدمة الدولة الأردنية الحديثة، وساند جهود التأسيس بحرص وانتماء حقيقيين.
عرف الشيخ عطا الله باشا الطراونة بكرمه وضيافته وحسه القومي، فبعد ملاحقة الحكومة الفرنسية لقادة ورجال الثورة السورية، لجاء كثير منهم إلى شرق الأردن التي شكلت ملاذاً آمناً لهؤلاء الثوار، وقد بادر الشيخ عطا الله باستضافة قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش في بيته، حتى أنه رحل من بيته وتركه للثائر سلطان باشا الأطرش، معتبراً ذلك واجباً قومياً وإكراماً للضيف الكبير، وهو حال كثير من بيوت رجالات الأردن في الشمال والوسط والجنوب، حين استضافوا العشرات من رجال الثورة السورية، الذين قصدوهم طلباً للحماية من بطش الجيش الفرنسي.
لقد أمضى الشيخ والقاضي عطا الله باشا الطراونة حياته من أجل الوطن، وأخلص لقيادته وعمل من أجل أهله وبلده، وبقي عربي الهوى قومي الفكر دون تحزب، وترك عدداً من الأبناء آخرهم المقدم المتقاعد عيسى الطراونة، الذي سار على نهج والده، والتحق بالقوات المسلحة الأردنية، وكان مثالاً في الانضباط والالتزام، وما زال قابضاً على عهد الولاء والانتماء الصادق، فقد شارك الجيش الأردني في مواجهات بطولية، وهو أيضاً « أبو الشهيد « فقد استشهد ابنه ثابت الطيار في سلاح الجو الأردني في حادثة تحطم لطائرته أثناء طلعة جوية، والدته رائدة حركة الكشافة والمرشدات في الأردن المرحومة عبلة أبو نوار، فهو نهج مستمد من الجد عطا الله الطراونة، الذي لم يظن على الوطن بشيء وبقي يقدم ما يملك للوطن حتى وفاته عام 1967، حيث شيع جثمانه بجنازة كبيرة، شارك فيها شيوخ ووجهاء ورجال الدولة الأردنية، وقد دفن في مقبرة النبي نوح في الكرك، لكنه رغم الغياب الطويل يبقى حاضر الذكر، محفوظا في الذاكرة الوطنية الغنية بالرجال الكبار.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.