الرئيسية / بورتريه / عبد الكريم الغرايبة : الشيخ المعلم

عبد الكريم الغرايبة : الشيخ المعلم

عبد الكريم الغرايبة : الشيخ المعلم

garaibh

 بلغت سنوات عمره الميلادية ستة وثمانين عاما في صيف 2009 ، لكن الشيخ المعلم الدكتور عبد الكريم الغرايبة يشير الى ان عمره بالحسابات القمرية بلغ التسعين عاما ، وهو ما دفع جهات ثقافية واكاديمية اردنية للاحتفال به وبمسيرته التي لم يتوقف فيها عطاؤه منذ وعى مهمته ودوره في الحياة.

في حزيران عام 1923 انطلقت صرخته الاولى في قرية المغير على اطراف مدينة اربد ، ليحصل في العام 1951 ، وهو في الثامنة والعشرين من عمره على شهادة الدكتوراه في التاريخ من لندن.

كان يمكن ان يكون طبيبا ، فقد التحق بالجامعة الاميركية في بيروت لدراسة الطب ، لكنه ادار ظهره لغرفة التشريح وقرر دراسة التاريخ ، رغم ان والده ، القائمقام ، كان يريده طبيبا ، وهو ما تحقق بعد ما يقرب من نصف قرن على يد الابن رائد الذي حقق حلم جده واصبح طبيبا.

لمجرد ان تسمع كلمة “الشيخ المعلم” تدرك سريعا ان المقصود بهذا التوصيف هو الدكتور عبد الكريم الغرايبة ، الذي تعلمت على يديه اجيال عديدة ، ولم تبعده سنوات عمره عن ميدان البحث والدراسة والتعليم.

منذ تأسيسها في العام 1962 ، مر على الجامعة الاردنية كثير من العلماء والمفكرين والاساتذة المبدعين والاداريين ، لكن ارشيف الجامعة وارشيف الشيخ المعلم يؤكدان ان العلاقة بينهما لم تنقطع منذ ايلول 1962 ، استاذا وعميدا ونائبا للرئيس ورئيسا بالوكالة واستاذ شرف ، ويكاد لا يغيب هذا العالم الكبير عن الجامعة التي وضع في مكتبتها وبين يدي طلبتها عصارة فكره وابداعه ، الا ان ذلك لم يمنعه من توجيه انتقادات للجامعات الاردنية ، وهو يقارن بين ما كانت عليه بالامس وما هي عليه اليوم.

كانت بداية عمله في الجامعة الاميركية في بيروت التي تخرج فيها ، قبل ان يصبح استاذا في جامعة دمشق عام 1953 ، التي قضى فيها ما يقرب من ثماني سنوات شهد خلالها قيام اول وحدة عربية بين مصر وسورية في اطار الجمهورية العربية المتحدة ، واثناء اقامته في دمشق اقترن بزوجته السورية ام رائد التي رحلت قبل سنوات ، ليظل ابو رائد على ذكراها منحازا الى سنوات ظلت عامرة بالحب والطمأنينة والابداع.

الدكتور الغرايبة الذي انتعشت احلامه القومية بقيام الوحدة ، غادر للعمل استاذا في السعودية قبل ايام معدودة من الانفصال ، وربما كان وقع تلك الحادثة عليه ثقيلا ، وهو المؤرخ المفكر العروبي القومي ، الذي ظل رافعا لواء الدفاع عن اللغة العربية ، مؤكدا انها علامة بارزة من علامات تطور الامة ورقيها.

لم ينتم الدكتور الغرايبة للحركة الحزبية التي كانت رائجة في ايام عنفوان عطائه الفكري ، لكن التصنيفات السياسية تقدمه عروبيا قوميا ، ولم يكن بعيدا عن تجاذبات العمل السياسي ، اذ تشير سيرته انه تقدم اثناء دراسته في لندن بشكوى لرئيس الوزراء البريطاني انذاك ضد الجنرال كلوب باشا مطالبا بسحبه من الاردن ، وهي الشكوى التي وقعت بين يديه ضمن الارشيف الرسمي بعد ذلك بسنوات عديدة ، وعندما عاد من دمشق عام 1957 ليعمل في الاردن ، لم يطل به المقام اذ وجد نفسه بعد عدة شهور خارج الوظيفة الرسمية مع تداعيات اقالة حكومة الرئيس سليمان النابلسي ، في وقت يستطيع فيه القول: إنه تعرف على رؤساء الحكومات الاردنية منذ الشيخ عبد الله سراج حتى مضر بدران ، وارتبط مع بعضهم بعلاقات شخصية طيبة ، ليتم اختياره في العام 2005 عضوا في مجلس الاعيان.

كتب عديدة تحمل توقيع الشيخ المعلم الدكتور عبد الكريم الغرايبة تتحدث عن الدور التاريخي للعرب ، قديمه وحديثه ، ومثلت هذه الكتب مرجعا مهما للدارسين والباحثين ، كان اخرها كتابه “العرب وامريكا” ، وقد ظل ابو رائد خلال مسيرته التي لم تتوقف علما بارزا من اعلام الوطن والامة ، وقامة اردنية عربية عالية تستظل في افيائها اجيال تبحث عن المعرفة في بطون التاريخ.

هشام عودة

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.