الرئيسية / بورتريه / عبدالله التل.. أسد يزأر في القدس

عبدالله التل.. أسد يزأر في القدس

1677_414980

يعد عبدالله التل واحداً من أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً رئيسياً وتاريخاً في الصراع العربي الصهيوني وذلك منذ بداية عام 1948، وتمثل ذلك من خلال قيادته العديد من المعارك البطولية ضد المستعمرات اليهودية قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين عام 1948، ثم دخوله على رأس الكتيبة السادسة مدينة القدس وتطهير المدينة القديمة من القوات اليهودية.

ويعتبر المناضل عبدالله التل ظاهرة أسطورية سياسية نضالية، نظراً لارتباط اسم عبد الله التل بمدينة القدس والدفاع عن هويتها الإسلامية وعروبتها، ليصبح مصطلح بطل معركة القدس ملازماً ومرافقاً لهذا القائد العسكري.

ينحدر القائد عبد الله التل من نسل عائلة أردنية عريقة وهي عائلة التل حيث يذكر اللفتنانت فريدرك بيك في كتابه «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» أن اسم «التل» التصق بعشيرة آل التل بسبب أنه عندما قَدِم جدهم من الحجاز إلى شرقي الأردن نزل في عمّان واتخذ من التل الذي تقع عليه القلعة مسكناً له فأُطلق اسم التل عليه وعلى نسله من بعده ولم يلبثوا أن غادروا عمان بعد أكثر من ثلاثين عاماً من سكنهم فيها ليستقروا في إربد وليصبحوا من أعرق عشائرها.

وترجح الدراسات أن آل «التل» يلتقون في الجذور مع عشائر الزيادنة التي قدمت من الجزيرة العربية والتي ينحدر منها الشيخ ظاهر العمر الزيداني الذي حكم مناطق واسعة من الأردن وفلسطين في النصف الأول من القرن الثامن عشر. ولعشيرة آل التل امتدادات في دول عربية عديدة وخاصة في سوريا.

ولد عبد الله يوسف التل في مدينة إربد سنة 1918 وتلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدارسها، وكغيره من أبناء جيله، فقد التحق بثانوية السلط ليتخرج منها عام 1937. وقد تميز عبد الله التل بإتقانه اللغتين العربية والإنجليزية. بعد ذلك عمل موظفاً في دائرة الجوازات لمدة خمس سنوات قبل أن يلتحق بالجيش العربي. وفي عام 1942 صدرت الإرادة السنية بالموافقة على ترفيعه من الدرجة التاسعة إلى رتبة ملازم ثان أصيل وكان رقمه العسكري (147) ثم تدرج في الرتب العسكرية، ففي عام 1944 تم ترفيعه إلى رتبة نقيب (رئيس) ثم رقي إلى رتبة ميجر (رائد) في 10 مايو 1948 وبعدها بشهر إلى رتبة قائد، هذا وقد استطاع عبد الله التل من خلال إنجازاته وشخصيته المتميزة أن ينفذ إلى قلب الملك عبد الله الأول بن الحسين فحصل منه على أربع ترقيات في أقل من ست سنوات، بعد ذلك أصبح حاكماً عسكرياً للقدس ثم متصرفاً لها برتبة زعيم، وقد شغل عبد الله التل وظائف عدة، فقد عمل مأمور جوازات ومدير قلم ومساعداً لرئيس مدرسة التعليم العربي، وقائداً للسرية العاشرة في اللطرون وكذلك قائداً لسرية التعزيز وحرس القوافل العسكرية والكتيبة السادسة.

* مناضل سجل أروع انتصار حققه العرب في الحرب العربية الإسرائيلية لعام 1948

وها هي – وكعادتها – أيادي أبطال الأردن، تطلق بنادقهم ناراً ومدافعهم جمراً لتدمر مستعمرات ومواقع الهاغانا الإرهابية المتآمرة على عروبة فلسطين، فخاضوا ميادين الوغى ثائرين مرتحلين بين الأردن وفلسطين، وهذا الوجود الصادق للمناضل عبد الله التل جعل له عظيم الحضور والجاه والاحترام بين أبناء الشعبين الأردني والفلسطيني.

تحلى عبد الله التل بصفات عديدة تمثلت بالتواضع والإيثار واحترام الناس، وأجمل صفاته التصميم والإرادة، بأن يفعل شيئاً لفلسطين، وذلك عندما شاهد شعباً يفترش الأرض ويلتحف السماء، عندها آثر أن يكون من أبرز الذين ساهموا في إعادة الحقوق إلى أصحابها، لذلك فقد حرص على المشاركة في دورات عسكرية كثيرة أبرزها دورة التعليم الحربي في مركز تدريب الجيش العربي ودورة تعليم الأسلحة في مركز تدريب الجيش العربي ودورة أركان حرب في قيادة الفرقة البريطانية الأولى للمشاة في صرفند بفلسطين، وقد أظهر كفاءة تامة لنيل هذه الشهادات واجتازها جميعها بنجاح باهر حتى أصبح أحد أبرز الكفاءات العسكرية في الجيش العربي، واستحق عليها العديد من الأوسمة، وعندما تم تعيينه في أركان حرب الجيش العربي أحس كلوب باشا بخطورة ذلك على مستقبله ومستقبل الضباط الإنجليز من وجود كفاءات عربية، فنقلهُ إلى قائد حرس القوافل، وقد استثمر ذلك عندما قرر توفير كل الدعم للمجاهدين العرب والفلسطينيين وتدريبهم من أجل مواجهة العدو الصهيوني، وتعرف بحكم موقعه العسكري على قادة فصائل الجهاد في فلسطين وفي مقدمتهم عبد القادر الحسيني.

وقد تحدث الأستاذ أحمد التل في كتابه «عبد الله التل بطل معركة القدس» قائلاً: حينما صدر التقسيم في 29 نوفمبر 1947م شعر عرب فلسطين بخيبة أمل كبيرة وأدركوا لأول مرة في تاريخهم أنهم أمام حقيقة مرة وهي «الدولة اليهودية» التي خلقتها بريطانيا بمساعدة أمريكا وبتأييد من الاتحاد السوفياتي.

كان عبد الله التل في ذلك الحين قد عاد من دورة أركان حرب (S.D) في فايد، والتحق بعدها بالفرقة البريطانية الأولى وقيادتها في صرفند، في دورة لمدة ثلاثة أشهر للتمرن على أعمال أركان حرب، وقد وفقه الله للقيام بالواجب في تلك المرحلة من النزاع في فلسطين، فاتصل سراً ببعض الضباط العرب المعسكرين في صرفند لتدريب الشباب الفلسطيني، وشرع عبد الله التل ورفاقه من الضباط العرب بالخروج بعد ظهر كل يوم إلى البيارات لشرح الدروس النظرية والعملية عن السلاح أمام المتطوعين الفلسطينيين.

بعد ذلك بادر عبد الله التل إلى الاجتماع بالضباط الأردنيين في جلسات خاصة والاتفاق معهم على تقديم المساعدات السرية لإخوانهم العرب الفلسطينيين والتمويه على الضباط الإنجليز في وحدات الجيش العربي حتى لا يدركوا أن أية مساعدة للعرب أو اشتباك مع اليهود تعتبر عن قصد من وحدات الجيش العربي الأردني.

بعد أن حصل عبد الله التل من قيادة الفرقة الأولى البريطانية للمشاة في صرفند على شهادة بأنه «أنهى دورة لمدة ثلاثة شهور في قيادة الفرقة الأولى للمشاة وأنه لخليق أن يكون أقدر ضابط أركان حرب في الجيش العربي»، فعاد عبد الله التل إلى عمان وقابل الفريق كلوب باشا الذي أبلغه أمر تعيينه بوظيفة أركان حرب في قيادة الجيش العربي الأردني فسرَّ عبد الله التل لذلك القرار ظناً منه أنَّ الفريق كلوب باشا قرر أن يتسلم الضباط العرب مراكز الانجليز في الجيش تدريجياً على أساس أن الشهادة التي حصل عليه تؤهله أن يعمل في القيادة كأي ضابط بريطاني، إلا أن الفريق كلوب باشا أدراك أن وجود عبد الله التل في قيادة الجيش العربي يعني إطلاعه على أسرار القيادة ومخابراتها مع الجيش البريطاني، فقرر بعد أسبوعين فقط من صدور قرار تعيينه في القيادة نقله قائداً إلى حرس القوافل التي تنقل الذخار والتجهيزات من رفح إلى عمان عن طريق القدس، هذا وقد سر عبد الله بهذه الوظيفة لأنها قد أتاحت له فرصة العودة إلى فلسطين وبالفعل فقد اتخذ عبد الله التل مقر قيادته في القدس في عمارة كلية النهضة على طريق بيت لحم- الخليل، ومن هناك بدأ يوزع الحرس وكان همهُ الأكبر أن يؤمن طريق القدس- الخليل- بئر السبع- غزة- رفح.

أخذ المناضل عبد الله التل على عاتقة مهمة رفع معنويات العرب الذين كانوا قد أصيبوا بنكسات شديدة أهمها استشهاد قائد منطقة القدس البطل عبد القادر الحسيني في معركة القسطل، بعد ذلك استفحل أمر اليهود فدبروا ونفذوا أبشع جريمة وقعت في فلسطين وهي مذبحة دير ياسين، التي تقع في ضواحي القدس الغربية. ورداً على ذلك فقد قام العرب بأعمال بطولية ونفذوا عدداً من الأعمال التأديبية التي تعتبر نموذجاً في البطولة والشجاعة، فقد استطاع بعض الفدائيين أن يقودوا سيارة بريد حكومية نقلوا بها لغماً موقوتاً وتم اقتحام الحدود الإسرائيلية، وأيضاً تم تدمير شارع بن يهودا عمارة (جريدة البالستاين بوست) في القدس وكذلك تدمير الوكالة اليهودية.

دخلت قوات عبد الله التل مدينة القدس بعد ان اتصل بعطوفة حلمي باشا وبالرئيس فاضل عبد الله قائد قوات الإنقاذ في القدس وبالقائد خالد الحسيني قائد الجهاد المقدس، حيث اتفقوا جميعاً على توحيد القيادة وتسليم عبد الله التل مسؤولية الدفاع عن القدس، فنقل عبد الله التل قيادته إلى الروضة داخل السور ومعه الملازم عبد الكريم الدباس أركان حرب الكتيبة، وفي هذه الأثناء كان اليهود يبذلون جهوداً كبيرة لاقتحام أبواب المدينة القديمة وتحديداً باب النبي داوود لأنه أقرب طريق إلى الحي اليهودي المحاصر، وقد تمكن عبد الله التل وبحذاقته العسكرية النضالية من أن يخدع اليهود خدعة حربية حيث سمح لقوة يهودية من جنود الهاغناة والآرغون بلغ عددهم حوالي (85) جندياً بالدخول من القدس الجديدة إلى الحي اليهودي في القدس القديمة من باب النبي داوود ثم منع تلك القوة من العودة إلى القدس الجديدة وتمت محاصرتها داخل الحي اليهودي مع بقية القوات اليهودية الموجودة داخل الحي حتى استسلام الحي بأكمله بيد قوات عبد الله التل في 28/5/1948. بعد ذلك قام جلالة الملك عبد الله بالاتصال هاتفياً من عمان بعبد الله التل وقال له «أنت قائد القوات العربية في القدس ولا أعرف غيرك أنت».

قام عبد الله التل بتوجيه إنذار إلى يهود القدس الجديدة يدعوهم فيه للتسليم ثم قام بقصف الحي اليهودي في القدس القديمة بمدفعية الكتيبة السادسة وإنقاذ حي الأرمن وحماية الطائفة الأرمنية وكان له عظيم الأثر في إفشال هجوم اليهود على باب النبي داوود مساء يوم 24/5/1948م.

وفي نهاية هذا المواجهات سجل المناضل عبد الله التل أروع انتصار عسكري وسياسي وتاريخي حققه العرب في الحرب العربية الإسرائيلية لعام 1948م وبدعم ملكي خاص من جلالة المغفور له الملك عبد الله الأول بن الحسين طيب الله ثراه، فقد دخلت مدرعات عبد الله التل إلى شوارع القدس القديمة لأول مرة في التاريخ وقامت بمحاصرة الحي اليهودي وقصفه حتى استسلام كافة اليهود المدافعين عن الحي اليهودي ونبههم إلى ضرورة إخلاء الكنيس الكبير (قدس الأقداس) وإلا فإنه سيضطر إلى تدميره وهدمه عليهم وبالفعل فقد قامت قوات التل بتدميره والاستيلاء على الحي اليهودي بأكمله.

وأضاف الدكتور أحمد التل في كتابه قائلاً: استسلم اليهود للقائد عبد الله التل وتم توقيع وثيقة تاريخية لم تشهد القدس لها مثيلاً سوى مرتين، الأولى زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والثانية زمن صلاح الدين الأيوبي طيب الله ثراه.

وقد تحدث المناضل عبد الله التل في كتابه «كارثة فلسطين» عن معركة القدس ورأيه فيها فقال: «كانت تلك المعركة أهم معركة خاضتها الجيوش العربية في حرب فلسطين لأنها أتت بنصر تاريخي لا تمحى آثاره، فقد كانت السبب في بقاء القدس القديمة وما جاورها من الأحياء في يد العرب حتى عام 1967».

* د. محمد محمود العناقرة

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.