الرئيسية / منوعات / شك الآباء ببناتهم يهز ثقتهن بأنفسهن

شك الآباء ببناتهم يهز ثقتهن بأنفسهن

فيلادلفيا نيوز 

تعاني معظم الفتيات في مجتمعاتنا من نظرة التمييز القاسية، والتي تسلبهن الكثير من حقوقهن وحرياتهن لتغرس في أعماقهن مشاعر الضعف والانكسار.

وما يؤلم حقا أن يكون مصدر تلك النظرة أشخاص لهم مكانة متميزة في قلوبهن، ويحتلون الجزء الأكبر من حياتهن، أشخاص منحوا حق التدخل في شتى أمور حياتهن، وذلك لامتلاكهم صلاحيات واسعة النطاق، لكن الآباء أحيانا يفهمون هذه الصلاحيات بشكل خاطئ، فيشرعون في تطبيقها بطريقة لا ترضي سوى أهواءهم، وحبهم الشديد للتسلط، متجاهلين تماما أن للبنت حقوقا وحريات لا يحق لأحد أن يصادرها منها ويمنعها من ممارستها.
ورغم ذلك، إلا أن الكثير من الأسر تسعى جاهدة إلى تفضيل الذكر على الأنثى ومنحه امتيازات وحريات لا حدود لها، بينما تحرم البنت من أبسط حقوقها، وتلغي شخصيتها، لاعتقادها أنها بذلك تحميها من الخطر الذي قد يهددها في حال أعطيت مساحة كافية من الحرية التي تمكنها من إثبات نفسها، وذلك من خلال قدرتها على اجتياز جميع الظروف والتحديات التي ستواجهها في مشوار حياتها.
وحتى لا تكون شخصيتها هشة ضعيفة تعصف بها الرياح من جميع الاتجاهات، فلا بد لها من التسلح بالوعي الكافي، الذي يمكنها من السير بخطوات ثابتة ومدروسة نحو حقوقها المشروعة.
وهناك الكثير من الآباء الذين يلجأون إلى تجريد بناتهم من حقهن في الثقة، بحجة الخوف عليهن، وهم لا يعلمون أن ارتكابهم لمثل هذا الخطأ الفادح، قد يدخلهم في مشكلات كبيرة لا تحمد عقباها، تتمثل في اهتزاز شخصية الفتاة، فتفقد بذلك قدرتها على تقرير أبسط الأشياء التي تخصها، الأمر الذي يجعلها عرضة للوقوع في الخطأ. والسبب في ذلك أن الفتاة عندما تحرم من الثقة، ويحل مكانها الشك، فإنها بالطبع ستعيش حياة قاسية غامضة، لا تعرف الصراحة لها طريقا، يسيطر عليها الكذب والتضليل، واللجوء إلى إخفاء الحقيقة، الأمر الذي يجعل لغة الحوار غائبة تماما.
إن استخدام الآباء لهذا الأسلوب الجارح المستفز، قد يدفع بالفتاة إلى حافة الهاوية ويوقعها في مآزق كثيرة، يصعب عليها الخروج منها بدون خسائر، وأحيانا قد يكون ارتكاب الفتاة للأخطاء ردة فعل على السياسة المجحفة التي يمارسها الأب في حقها، متناسيا أن هذه الفتاة ابنته، وأن من واجبه مراعاة مشاعرها وأحاسيسها، فهي لا تريد سوى الثقة الواعية والكلمة الحانية والتوجيه المدروس، لتتمكن من بناء شخصية قوية ناجحة، قادرة على تحمل مسؤولية قراراتها والتعامل مع النتائج المترتبة عليها بحكمة وعقلانية.
والشك عندما يغزو علاقاتنا، فإنه بالتأكيد سيهدمها، وسيحولها إلى علاقات سطحية ليس فيها مكان للحب والحنان، تغلب عليها القسوة وتغلفها المرارة الممزوجة بالألم وكلما توغل الشك في حنايا أرواحنا، فقدنا القدرة على فهم الحقيقة، وأصبح تواصلنا مع الآخرين شبه منقطع، يفتقر إلى الصدق والوضوح والمكاشفة، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة والسماح للأفكار المريضة أن تقلل من احترامنا لذواتنا بدون أن يكون لذلك مبرر مقنع.
وقد يخلط الآباء في كثير من الأحيان بين الشك والرقابة، الأمر الذي يدفعهم إلى التجسس على بناتهم بحجة الخوف، الذي غالبا ما يخفي وراءه عيونا مهمتها رصد جميع التحركات والعمل على تمحيصها، ومعرفة كل ما يختبئ خلفها من تصرفات طائشة غير مدروسة تقوم بها الفتاة، ربما لتكتشف المجهول ولتحل الغموض الذي يعتري الأشياء من حولها، فهناك قائمة من المحظورات والممنوعات التي تفرض على الفتاة بدون أن تعرف السبب، فتقف حائرة ضائعة تبحث عن أحد يرشدها ويوجهها ويبين لها الخطأ من الصواب، ولكن الآباء عندما يشددون رقابتهم على بناتهم ويبدأون في محاصرتهن وتتبع خطواتهن لمعرفة كل شاردة وواردة، فإنهم بالطبع يلغون دور الثقة وأهميتها في إيجاد علاقة متوازنة أساسها الصراحة والاحترام المتبادل، ويفضلون زرع الشك في نفوس بناتهم، ظنا منهم أنهم بذلك يقدمون لهن الحماية، وفي الوقت نفسه يبقون على اطلاع واسع بكل ما يجري حولهم، وقد يصل الحال ببعض الآباء إلى التفتيش في حاجيات بناتهم الشخصية، والسماح لأنفسهم بالتجسس على مكالماتهن الهاتفية، وكل هذه التصرفات تبررها حجة واحدة وهي الاطمئنان، وهم لا يعلمون أنهم بطريقتهم هذه، يقضون على أي فرصة من شأنها أن تعيد العلاقة إلى وضعها الطبيعي المتوازن.
إن مراقبة الآباء لبناتهم أمر ضروري ومهم، وبخاصة في ظل المتغيرات الكثيرة التي تجتاح حياتنا اليوم، ولكن ضمن حدود المعقول، التي لا تلغي حقهن في احترام خصوصياتهن، مع تأكيد منحهن المفتاح الحقيقي للعلاقة السليمة، وهو الثقة المتبادلة بين الطرفين، حيث إن ثقة الآباء تزرع في الفتاة روح المسؤولية، وتجعلها أقدر على مواجهة الحياة، متجاوزة جميع الصعوبات والتحديات راضية بتدخل أسرتها الذي لا يخدش مشاعرها أو يقيد حريتها.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.