الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / رقية القضاة: مابعد الموت من مستعتب

رقية القضاة: مابعد الموت من مستعتب

فيلادلفيا نيوز

رقية القضاة

الليل يرخي سدوله فوق الأرض العامرة بالخلق والمخلوقات، الصالح وغير الصالح على حدّ سواء، والشمس تطلع وتغرب على وتيرة واحدة، والفصول تتلو بعضها في نظامها الرتيب، والكون يضج بالآيات والعبر، والسكون الباسط جناحيه يوحي للنفس بشيء، كما يوحي الضجيج العارم إليها بشيء آخر، والعين تدور وتدور، تحلّق بالنظر ثم تنكسر، والقلب يرى ويعقل ويعرف، والنفس تتلاعب بها الأهواء، والشيطان يمنّيها ويعدها، وبين كلّ هذا وذاك يضيع العمر دون ثمن ولا قيمة.وتدور الحياة في متاهتها، ليستيقظ الحائر التائه الضالّ الغافل، على زائر ما ظنّه قادما إليه يوما، فإذا ما اعتقده حقائق ينقلب أوهاماً، وما ظنّه نافعا عظيما يجعل هباء منثورا، وما كان يتشدق به أو يستمع إليه من المتشدّقين لهوا وعبثا، مضيعة لعمره الذي أفناه في باطل مأفون.
نعم أيّها الإنسان }إنك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه{.. لقد أفنيت عمرك فيما لا ينفعك وقد ظننته نافعا، وأهدرت صحتك على ما ظننته مرحا ونعما وابتهاجا، فوجدته حزنا وحسرة وندامة، وأرهقت بدنك فيما ظننته كسبا ومالا وفيرا، فإذا هو ويل وثبور، وأطلقت بصرك في كل محرّم موبوء حقير، لم يسترع يصرك سبعا طباقا ما لها من فطور، ولم تثر انتباهك سبع طرائق بما فيها من مصابح وعلامات وهدى للمرتحلين، ولم توقظ إيمانك حيتان البحر تمخر عبابه، ولا البحر يلقي إليك بخيراته، ولا المحيطات الممتدة أفقا بعيدا تحملك على ظهره الفلك مواخر سابحات، واعتقدتها سنن الطبيعة وما آمنت بمن سنها، وإن آمنت به فما وفيته حقه عبادة وذكرا وما قدرته حق قدره(سبحانه.. سبحانه) فهلكت بتقصير وغفلة.
وغرّك عنفوان الشباب وأغاريده الزاهيات، فطفقت تبذّره على مالا ينفعك ولا يعود عليك بخير، وقد عمي قلبك عن شرع الله، حتى صار ديدنك في الحياة المتعة والغرور والإعراض عن الحق، فارتد ذلك كلّه إليك ضنكا في الحياة، وعمى يوم تحشر بين يدي ربك، وإذا بك تسأل: }ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً{.. كان عهدك ببصرك سليماً؛ لا يرعوي عن حرام، ولا ينظر في كتاب الله، وكان عهدك بسمعك سليماً؛ لا يصغي إلى نصح الناصحين، وكان عهدك بذهنك لامعاً في كل شيء، ولكنه نسي وتناسى كلمات الله وآياته، فإذا بالجواب يصعقك ويذلّك }كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى{.
عدل مطلق، وجزاء من جنس العمل، وموقف أليم صعب رهيب، فأين المفرّ؟ أيّها الغافل أين المفرّ؟ إلا إلى الله؟
فما مضى من عمرنا في الضلالة تجزئ عنه التوبة النصوح، وما قضيناه في غفلة القلوب يجبره الانتباه والندم، وما اغتررنا به من علم وعمل وقوة، يكفره التواضع والشعور بضعف قوّتنا وقلة حيلتنا أمام العليم الحكيم، الجبار القوي جل شأنه، وباب الصالحات مفتوح لا يغلق، وباب التوبة مشرع أبدا بالليل والنهار، والغفار يغفر ولا يبالي، ويعطي ولا ينقص ملكه شيء…
فلنستقم ونحسن الظنّ بالودود اللطيف، ولنتزود لآخرتنا بخير ما نصحنا به نبينا المشفق صلى الله عليه وسلّم، وهو يعلّمنا سبيل النجاة، ويهدينا طريق الرشاد، ويوجهنا إلى استثمار أعمارنا الفانية المحدودة لأجل آخرة باقية لا فناء لها، فيها جنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين، وفيها نار وقودها الناس والحجارة، يخشى علينا منها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، يقول في خطبة له يوم الجمعة: “يا أيها الناس إن لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه، فليتزود المرء لنفسه ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، فإنكم خلقتم للآخرة، والدنيا خلقت لكم، والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار
ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في امرنا

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.