الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / خالد زعل الطراونة: عُذراً وطني

خالد زعل الطراونة: عُذراً وطني

فيلادلفيا نيوز

خالد زعل الطراونة

… لم اعتد الكتابة عنك الاّ بما يليق ببهائك ، فلجمت قلمي مِراراً عما يُعكّر صفوك …
لكنني في هذه المرّة ، سأتحدث اليك بِكلمات مُختلفه ، فلتحتمل مني ما سأقول ؛
.. عُذراً ايها الحُضن الذي لم نعد نجد فيه ذاك الدفئ ، وذاك الحنان ، فقد اصابتنا قشعريرة كانون في وسط صيفك اللاهب بكل ما حواه من جلدٍ ، وحولوه الى جليد ، فننام ونصحو كل يوم على وقعِ المعاناة وعيشة الكبَد ، التي اوصلوا فيها بنيك الى حافة القنوط !
.. عذراً وطني ، رؤوك مزرعةً ثرّة غنّاء فيها ما لذّ لهم وطاب ، امتدت حدودها من اقصى نقطة على خارطتك البهيّة شمالاً وجنوباً ، وأمعنوا بِجسدك نهباً لم يدع اخضراً فيه ولا يابس !
ورأيناك صدر امٍ حنون ، وقلباً كبيراً حملنا ذات ضيق ، ولم يضيق بحملنا ، وحملناك بين الضلوع براً بك ، وسيجناك بأهداب عيوننا …
… ايها الساكن فينا بين الوريد والوريد ؛ قل لي بربك ما الذي يعتمل في نفسك ؟ هل اغضبناك يوماً وصدر منا ما يثير سخطك علينا ؟ ام انهم غرّروا فيك وتقولوا على السنتا ما لم نقل ؟ لا تصدقهم ايها الجميل ، فهم عابرون ، وكلامهم وخططهم ومخططاتهم هُراء ، هم هبطوا على ثراك حين غفلة ، لكننا كنّا بعشقك وحراستك ، وصد العاديات عنك منشغلون حتى الريح العاتية ، كان جهد محاولتنا ان تمر بك نسائم ، بصلواتنا ، ودعواتنا ، وسمر زنودنا التي ما كلت يوما عن حماية اسورك من حالكات الليالي …
نحن مثلك ، صدقناهم ، وانصرفنا في سبيل صون طهرك وسؤددك ، واغرقنا في الهُيام بك ، وحين التفتنا وجدناهم قد نكثوا عهودهم ووعودهم ، فوجدنا ما وجدت ، ضرائب متصاعدة ، واسعار أصابها مسٌ من الجنون ، ووجدنا الظُلم ، والقهر ، والفساد الممتد في كل جنباتك ، وجدناها كائنات تتحرك بِحريّة في رابعة النهار ، وجدنا نفاقاً يتمشى في شوارعك وازقتك ومؤسساتك ، نفاقاً بغيضاً مُمنهجاً حد الرذيلة !
ايه يا وطني ؛ هل تذكر حداؤنا وغناؤنا ونشيدنا ، نحن لم نبدع النشيد والقصيدة ، انت النشيد الخالد ، وأنت القصيدة الأجمل والأعذب ، استوحينا من مُحياك بحور الشعر ، من سهولك وجبالك ، من قمم الشراة الى موآب ، الى روابي مدينة الفسيفساء الجميلة ، فجبال البلقاء ، وعجلون ، وجرش وعروس الشمال اربد ، ليصل صدى حداؤنا الى صحراء الصبر والرجال على امتداد خط القلب من المفرق وحتى معان وباير والجفر !
اما أنتِ يا عمان ، اما زلت تذكرين الجدائل والخمائل والياسمين ؟!
ام اعتراكِ نسيانٌ فلا تميزين الأصيل من الدخيل ، ولا الغث من السمين ؟
وطني ؛ ما اصعبه شغور الغبن والنكران ، ما اصعب ان تمزقنا الغربة ، ونحن بين احشائك ، لا تلمني ان اخبرتك ، بأنك اصبحت سجناً بلا حدود ، اسوارك شطآن من الألم والقهر والجوع والحاجة !
يا موطناً عاث الذئابُ بأرضهِ *** عهدي بأنكَ مربضُ الآســادِ
ماذا التمهلُ في المسير كأننا *** نمشي على حَسَكٍ وشوكِ قتادِ
هل نرتقي يوماً وملئ نفوسنا *** وَجَلُ المسوقِ وذُلةِ المنقــــادِ
.. لكننا ، سنبقى كما نحن وكما عهدتنا ، لا نستبدل مبدأ ولا نبيع موقف ، ولا نبتاع قمامة شعارات وطنية ، انت فينا الشهيق والزفير ، سنبقى نتفس هواك وعشقك ما كتبت لنا حياة ، الى ان تشرق شمسك من جديد .

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.