الرئيسية / منوعات / حارس العمارة في جعبته أسرار البيوت

حارس العمارة في جعبته أسرار البيوت

فيلادلفيا نيوز

لم تكن الثلاثينية هند علي تعرف أنها، حين تنادي حارس العمارة، من أجل القيام ببعض التصليحات في المنزل، أن هذا الحارس يفاجئها بعلمه بكل قصص العمارة، بيتا بيتا، وبكل الأسرار التي تدور بين الأسر، بكامل تفاصيلها.
وتضيف “تفاجأت به كثيراً وهو يبدي أحكامه كذلك على الأشخاص، فيقول لي “جارتنا أم سعدي مش نظيفة أبداً. بيتها وسخ ومكركب، والأولاد مش نظاف، وجارنا أبو علي ما بيقعد بالبيت، الله يعينو اللي متجوزها لازم يطفش من البيت”.
وتضيف أنها عندما سألته عن كيفية اطلاعه على كل هذه الأسرار أخبرها بأنه يدخل يوميا كل بيت، إما لتصليح جهاز، أو لـ”تعزيل” الشبابيك والسجاد، أو لإحضار أغراض من السوبرماركت، وهو ما يجعله ملما بكل ما يحدث داخل المنازل التي يدخلها.
ويعد حارس العمارة الشخص الذي يعتمد عليه السكان القاطنون في البناية، ما يجعله على دراية بقصص العلائلات المتواجدة واحيانا معرفته بتفاصيل حياتهم اليومية والمشاكل التي تحدث.
من جهتها تقول العشرينية سناء محمود، إن حارس عمارتهم شخص مقرب جدا منهم، فهو الشخص الوحيد الذي تجده في أي مأزق تتعرض له، مبينة أنها أحيانا كثيرة تتصل به، حتى يحوّل إليها رصيدا، في حال تعذر خروجها، وتحاسبه فيما بعد، إلى جانب أنها تعتمد عليه في أن يحضر لها سجائرها، من دون أن يعرف أحد من أهلها ذلك.
إلى جانب أنها تعتبره شخصا ذكيا، فبمجرد أن يتعرض لموقف من قبل أهلها، كسؤاله لمن أحضرت السجائر فإنه يتصرف مباشرةً، ويختلق قصة تنقذها من الموقف بسرعة.
وتضيف أنه يعرف كل شيء يدور في العمارة، فهو ينظف داخل البيوت في غالب أوقاته، وأحياناً كثيرة تسمعه يخبر والدتها أنه سمع الجارة المقابلة لهما التي تسكن تحتهم، أنها تتحدث عنها مع جاراتها عبر الهاتف، أثناء وجوده في أحد المنازل، لغرض ما.
وتتابع أنه ملم بكل شيء، مبينةً أنها كثيرا ما تشعر بـ “المبالغة في حديثه، وروايته للقصص، إلا أنها تتغاضى عما يقوله، لأنها تكتفي بالسماع، للتسلية، ليس إلا”.
الأربعينية سناء معاذ واحدة من السيدات اللواتي كانت كلما حدثت مشكلة بينها وبين زوجها، ويعلو صوتهما، أو يحدث نقاش حاد بينهما، إلا وسمعت من الحارس عند التقائها به يقول “الله يهدي النفوس”، “الأجواء مش رايقة اليوم”.
إلا أن ذلك كان يجعلها “تطنّشه” ولا تعيره اهتماما، حتى بدأ فيما بعد يوقفها ليخبرها أن صوتهما عال جدا، وأنه من الأفضل أن يخفضاه حتى لا يسمع الجيران تفاصيل ما يحدث بينهما. وبعدها بدأ في نصحها والدخول في صلب الموضوع.
فتقول “تفاجأت جداً من جرأته، وكيف دخل في المشكلة التي حدثت بيني وبين زوجي، وبدأ بإعطائي الحلول، وكأنه كان جالسا بيننا، فيقول لي “طولي بالك، وما تدخلوش ولاد الحرام بينكم، وأنت مش فاهمة وجهة نظره”.
وتقول إن ذلك التدخل من قبله، استفزها كثيراً، ما جعلها تخرج عن صمتها وتنهال عليه بوابل من الكلمات، عن “قلة أدبه، وتطفّله على الآخرين، وتنصحه بأن لا يكرر هذا الفعل مرة أخرى”.
ولعل هناك كثيرا من العائلات التي لا تضع حدودا بينها وبين حارس العمارة، فتتعامل في وجوده وكأنه غير موجود، وعلى أنه شخص ينفذ الطلبات ولا يجرؤ على نقل أخبارها، وهو ما يجعلها لا تتحرج من أي حديث أمامه، ولا من أي تصرف، لكنه يسجل كافة تفاصيل ما يسمعه ويراه، ليذيعه بعد ذلك على الآخرين.
وفي ذلك يرى اختصاصي علم الاجتماع، د.حسين الخزاعي، أن ذلك للأسف “خطأ كبير جداً”، تقع فيه الأسرة الأردنية عندما تشرك الحارس في خصوصياتها، وعندما تكلفه بمهام تعتبر أصلا من صلب أعمال الأسرة وليس الحارس.
ويضيف أن الأسر هي التي تفسح المجال لهؤلاء الحراس، في التمادي في نقل أسرارها، والاطلاع على خصوصياتها، وهذا يسبب مشكلات اجتماعية كبيرة.
ويرى الخزاعي أن وجود حارس العمارة أمر ضروري، لكن ضمن حدود، حيث لا يتم إطلاعه على الأسرار الخاصة بالأسر.
ويعتبر أنه لا بد من أن يكون للحارس أدوار محددة، وواضحة، ومدروسة، ويجب ألا يبالغ في تكليفه بأشياء ليست من شأنه، مبيناً أن الحارس بطبيعته قد ينقل هذه الخصوصيات، إلى باقي الجيران، وقد يكون أحياناً غير صادق فيما ينقله.
ويشير الخزاعي إلى أنه على الأسر أن تقوم هي نفسها بأعمالها الخاصة، وألا يتم إقحام الحارس في شؤونها الخاصة داخل البيت.
ويذهب اختصاصي العلاقات الأسرية، أحمد عبدالله، إلى القول بأن الأصل هو أن لا يكون للحارس هذا التدخل الكبير في الأسرة، خصوصاً وأنه ليس كل ما ينقله حارس العمارة صحيح، فأقواله ليست سوى انطباعات عما رآه، أو سمعه، وليس هو ما رآه حقا أو سمعه.
ويشير عبدالله إلى أن هناك كثيرا من العائلات التي يصبح فيها الحارس واحدا من أفرادها، فيطلع على كل صغيرة وكبيرة فيها، ويصبح صديقا لأطفالها الذين ينقلون بفطرتهم كل شيء، مبيناً أن ذلك سلوك غير صحي. فالحارس له دوره المحدد، ويمكن إكرامه بطريقة معينة، مناسبة، تحفظ أسرار العائلة.
ويعتبر عبدالله أن الثقة المفرطة تجعل الكثير من الناس لا يتحرجون من الحديث بحرية وعفوية عن أسرارهم أمام الحارس، ومن التصرف في حضوره وكأنه واحد منهم، وهو ما لا يجب أن يحدث، لأن البيت يفترض أنه محصن، ويجب أن لا يدخله الحارس إلا بوجود صاحب المنزل.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.