الرئيسية / بورتريه / جلال الرفاعي ..الإبداع بريشة الوجع

جلال الرفاعي ..الإبداع بريشة الوجع

3f34a002a1fe7718118470905d12b6ac

من المفارقات التي شكلت أولى بوادر الوعي في حياة الطفل جلال الرفاعي، انه لم يجلس مثل مجايليه على مقاعد الدراسة في الصفين الأول والثاني الابتدائي في تلك المدرسة القروية الواقعة على أطراف مدينة رام الله مطلع الخمسينيات، فقد توجه مباشرة إلى مقاعد الصف الثالث الابتدائي، بعد أن اثبت قدرته على المنافسة، ما يشير إلى حالة نبوغ مبكر في حياة ذلك الطفل الذي يوصف اليوم بأنه احد ابرز رسامي الكاريكاتير في الأردن والوطن العربي. منذ فتح عينيه ذات يوم بعيد من عام 1946 في قرية كفر عين تعرف على مواطن الجمال في الطبيعة التي اختزنتها ذاكرته لتكون اليوم احد أهم مرجعياته في التعامل مع مكونات الجمال. كان يمكن لفنان بمواصفات جلال الرفاعي أن يكمل مسيرته في الحياة خطاطا، بعد أن أتقن الغوص في بحور الخط العربي، وصار يعرف جيدا جماليات الخط الكوفي والرقعة والثلث والديواني وغيرها منذ كان فتى يافعاً، حيث عمل خطاطا ًفي جريدة الجهاد الصادرة في القدس مطلع الستينات حين كان جلال ما يزال طالبا على مقاعد الدراسة الثانوية، وعندما التحق للعمل في جريدة الدستور في بداية عهدها، كانت وظيفته ” خطاطا ً” أيضا بحكم خبرته السابقة. ربما الصدفة وحدها هي التي أعلنت على صفحات جريدة الدستور التي يعمل فيها أبو العبد خطاطا، ذات صباح من شهر آذار عام 1971 عن ولادة فنان كاريكاتير كبير اسمه جلال الرفاعي، لم تغب منذ ذلك التاريخ رسومه اللاذعة وتوقيعه عن الصحف الأردنية والعربية . ليس من قبيل المبالغة القول أن جلال الرفاعي بعد أربعين عاما على ذلك الصباح الربيعي بات فنانا متمكنا يستطيع أن يمسك بأطراف الزمان لتطويعه لصالح مشروعه الذي تمدد اليوم على مساحة عربية ودولية واسعة، وتحولت رسومه إلى مفاتيح واعية لقراءة تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي للعرب وغيرهم، في زمن يبدو متحركا أكثر مما يجب، ويتحدث ” أبو العبد ” عن “الجميل” الذي في عنقه لمجموعة من الكبار الذين دعموا مشروعه الفني منذ بداياته، من أمثال المرحومين جمعة حماد وإبراهيم سكجها ومحمود الشريف وغيرهم, ورغم عمله في عدد من المواقع والصحف، داخل الأردن وخارجه، إلا أن الدستور ظلت بالنسبة له تلك الحبيبة الأولى والمنزل الأول في مسيرة الفنان المهنية الذي ” نقّل فؤاده ” في أكثر من موقع واتجاه . يترك اسم الفنان جلال الرفاعي وقعا ًخاصا ًعلى مسامع زملائه وأصدقائه ومريديه، داخل الأردن وخارجه، لذلك كان طبيعيا أن يذهب رسامو الكاريكاتير في الأردن لمبايعة ” أبي العبد ” رئيسا ًلرابطتهم التي تأسست عام 2007، لقناعاتهم بان وجود اسم ” جلال الرفاعي ” في هذا الموقع يمثل ضمانة نجاح الرابطة واستمرارها، لتكون بيتا للإبداع الذي يحصن وجدان الشعب والوطن . دراسات نقدية عديدة، تناولت تجربة الفنان الكاريكاتورية، نشرت في العديد من الصحف والمجلات العربية المتخصصة بأكثر من لغة، في حين اصدر الفنان سبعة كتب تضم بين صفحاتها المئات من الرسومات التي أرخت لمسيرة الوطن ويومياته السياسية والاجتماعية، واتجاه حركة أبنائه في علاقاتهم مع يوميات حياتهم، ويمكن لأي دارس لرسوم الرفاعي أن يؤرخ بدقة وموضوعية لمزاج الشعب ومواقفه حيال القضايا والأحداث التي عصفت بالأردن والمنطقة، سياسيا ًواجتماعيا في الثلاثين عاما الأخيرة، فيما فرضت رسوماته نفسها على أروقة المعارض الفنية العربية والدولية في الشرق والغرب، وعلى ذائقة المتلقين في كل مكان، بسبب التفرد في الخطوط، وما يمكن تسميته بالسهل الممتنع في رسوم فنان متمكن من أدواته ومؤمن برسالته التي نذر نفسه من اجل تحقيقها. عمل في دائرة الثقافة والفنون التابعة لوزارة الإعلام قبل أن يتجه إلى لندن لدراسة الإخراج الفني، وقد عمل لعدة سنوات في صحيفة البيان الإماراتية قبل أن يعود إلى الدستور. رغم أن الرجل يملك علاقات طيبة مع بسطاء الناس من جمهوره الواسع، إلا أن مبدعا ًكبيرا ظل ًيسكن بين جنباته الهادئة دائماً، ولا يخفي أصدقاؤه وتلامذته الكثر عتبهم على المؤسسات الثقافية الأردنية، الذي يصل حد الغضب أحيانا، لاستبعاد اسم فنان كبير بمواصفات جلال الرفاعي عن قوائم المكرمين، في حين يجيء تكريمه من الخارج، حيث حصل على العديد من الجوائز وشهادات التقدير والدروع التي جاءته من عواصم عربية وأجنبية، ومن بينها تكريمه في مهرجان الرواد العرب تحت إشراف الجامعة العربية كرائد من رواد فن الكاريكاتير، وتوفي جلال الرفاعي في التاسع عشر من أيار 2012 ودفن في مقبرة سحاب .

هشام عودة

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.