الرئيسية / بلدنا اليوم / تخرّج الحسين من ‘‘ساند هيرست‘‘: لحظة لا تشبه غيرها

تخرّج الحسين من ‘‘ساند هيرست‘‘: لحظة لا تشبه غيرها

فيلادلفيا نيوز

ثمة لحظات تاريخية لا تشبه غيرها، ليس لها ظل أو وصيف، تبقى شامخة كالطود في الذاكرة الغضة، وتستمر حاضرة في الوجدان الحي، لكن لديها القدرة على استعادة الماضي بمقارباته ومقارناته، وتجليات الحاضر بمعاصرته، وتدفع باستشرافات المستقبل.
وتخرج ولي العهد سمو الامير الحسين بن عبدالله، من كلية ساند هيرست اليوم، لحظة تاريخية، لا تشبه غيرها من اللحظات، بل صورة لن تتكرر، وإن كانت تستدرج الذاكرة الحية وتستعيد عبق الماضي.
اليوم، ينظر الملك عبدالله الثاني، ولي أمر الخريج، إلى نجله بفخر واعتداد، فهو يحمل منذ الآن شهادة أعرق الكليات العسكرية في العالم، لكن لحظة الفخر الملكية تلك ممزوجة بذكريات الماضي.
فقبل 37 عاما، تخرج الملك (الامير حينها) من الكلية ذاتها، بعدما غادر كلية بيمبروك في أكسفورد. لسان حال الملك يقول: كم تغير الزمن!!، كم تغير العالم!!، كم مرت من أحداث على هذا العالم خلال ما ينوف على ثلاثة عقود، قضى الملك (الأمير حينها) 44 أسبوعا في أروقة الكلية، تعلم أصول العلوم العسكرية مع نخبة من الطلاب المتميزين، وها هو الحسين اليوم، يقضي المدة نفسها ويخرج بالشهادة العليا ذاته، التي يتطلع إليها النخبويون والاستثنائيون.
اليوم، يعيد التاريخ سننه، بأحداث وشخصيات جديدة، فاليوم الحادي عشر من آب (أغسطس) 2017، هو يوم تخريج الأمير الأكبر للملك، الأمير الحسين، وهو الهاشمي الثاني عشر، الذي يتخرج في هذه الكلية، فقد سبقه إليها ثلاثة ملوك هاشميين؛ هم جد أبيه الراحل الملك طلال، وجده العظيم الحسين، رحمهما الله، وأبيه الملك عبدالله الثاني، أطال الله في عمره، وثمانية أمراء؛ الأميرة عائشة بنت الحسين، والأميرة إيمان بنت الحسين، والأمير علي بن الحسين، والأمير حمزة بن الحسين، والأمير هاشم بن الحسين، والأمير راشد بن الحسن، والأميرة بسمة بنت طلال، والأمير طلال بن محمد.
لسان حال الملك يقول: مضى الزمن بسرعة يا حسين، تغير العالم، تبدلت خرائط الحرب الباردة ورسمت خرائط النظام العالمي الجديد، تغيرت التحالفات وتشكلت أخرى، فقبل 23 عاما ولد الأمير الحسين، في زمن الملك الحسين بن طلال، وكان السليل الثاني والأربعين للنبي محمد عليه السلام، وجاء في بيان للديوان الملكي في ذلك الوقت أن “جلالة الملك الحسين، تفضل بتسمية المولود الهاشمي الذكر الحسين”.
كان الأردن في ذلك العام، يرزح تحت حصار ذوي القربى، وهو العام الذي رأى فيه الراحل الكبير بالسلام مع العدو التاريخي (إسرائيل)، مخرجا لحصار خانق، وحدا لظلم أخوة يوسف، فكانت وادي عربة، وهو العام الذي اتفق فيه الرئيسان الاميركي بيل كلنتون والروسي بوريس يلتسن، على تفكيك أسلحتهم النووية الموجودة خارج بلدانهم، وفيه انسحبت القوات الروسية من أستونيا ولاتفيا، لتنهي آخر أثار الهيمنة السوفييتية عليهما، وفيه غزت القوات الأميركية هاييتي، وانسحبت القوات الأميركية من الصومال، وهو العام ذاته الذي أطلق فيه المتطرف الإسرائيلي باروخ جولدشتاين النار على المصلين الفلسطينيين في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل وقتل 29 مصليا، وهو العام الذي كان يشهد صراعا في البوسنة والهرسك، والإبادة الجماعية في راوندا، وإجراء أول انتخابات ديمقراطية في جنوب أفريقيا، وانتخاب نيلسون مانديلا كأول رئيس ديموقراطي وأسود، والحرب الأهلية اليمنية، كم تغير العالم يا حسين!!.
لم يكن الأمير الحسين أكمل الخمس سنوات من عمره، عندما تولى والده الأمير عبدالله العرش بعد رحيل الملك حسين المؤلم، مضى منذ ذلك الوقت 18 عاما، كأنها الآن.
اليوم يتخرج الحسين في ساند هيرست، مكملا مسيرته التعليمية، بعد أن أنهى تعليمه الثانوي في مدرسة “كينغز أكاديمي”، وبعد أن أتم دراسته في تخصص التاريخ الدولي في جامعة جوروج تاون بالعاصمة الأميركية واشنطن في أيار (مايو) 2016، وحينها كتب سموه على صفحته الرسمية في موقع انستغرام “إنجاز مرحلة مهمة والحمد لله، والاستعداد لمراحل جديدة بإيمان وعزيمة #أردننا”، ويحمل سمو ولي العهد، رتبة ملازم ثان في الجيش العربي.
ومنذ نحو ثماني سنوات، صدرت الإرادة الملكية بتولى سمو الأمير الحسين منصب ولي العهد، كان الأمير حينها قد أتم عامة الخامس عشر.
ومنذ توليه منصب ولي العهد، برز اهتمام سموه بالشباب والأطفال والرياضة؛ حيث أطلق عدداً من المبادرات، التي تمكنت من الوصول للفئات المستفيدة منها في مختلف محافظات المملكة، ونجحت في تحقيق إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
فأطلق سموه مبادرة “حقق”، التي تُعنى بتحفيز الشباب والشابات فكرياً وتعزيز مهاراتهم المختلفة، وخصصت لطلبة المدارس بهدف تدريبهم على المهارات القيادية وآليات المفاوضات وحل النزاع، أما مبادرة “قصي”، فتعكس اهتمام سمو ولي العهد بالرياضيين الشباب، وأهمية تكوين شخصياتهم، إلى جانب تأهيل المسعفين والمعالجين الطبيعيين، ولتكون البيئة الحاضنة للنشاط الرياضي بيئة صحية وسليمة.
كما أطلق سمو الامير مبادرة “سمع بلا حدود”، التي تعنى بالأطفال فاقدي السمع وممن يعانون من ضعف السمع، بحيث تقوم المبادرة، بعملية زراعة القواقع السمعية للأطفال من مختلف محافظات المملكة.
وإيمانا من سموه بضرورة دعم الشباب وتطوير مهاراتهم التقنية ومعرفتهم العلمية والأكاديمية، وقعت اتفاقيتان مع جامعة (MIT) وإدارة علم الطيران والفضاء الوطنية (NASA) لتبادل الطلاب، والعمل على مشاريع مشتركة بين الجامعات الأردنية وهاتين المؤسستين المرموقتين، مع التركيز على قطاعات المياه والطاقة والبيئة.
كما أطلق سموه مبادرة الحلول الإبداعية (Innovation Solution Initiative) لنشر الإبداع في الأردن، وجعله منصة لتبني الأفكار وإمكانية تحقيقها، وهو ما يشجع الشباب على الإبداع والابتكار.
وجاء قرار إنشاء جامعة الحسين بن عبدالله الثاني التقنية، لتكون منصة أكاديمية تسعى لتحسين نوعية التعليم التقني، عبر وضع معايير واضحة ومؤثرة في نوعية التعليم التقني على مستوى المملكة، ووفق برامج أكاديمية متطورة.
وفي العام 2015، أطلقت مؤسسة ولي العهد، لتكون المظلة القانونية لمختلف هذه المبادرات، كمؤسسة موجّهة للشباب الأردني ولمجتمعاتهم المحلية، ولتساعدهم على تعزيز مفهوم الابتكار، وتوائم بين إبداعهم وقدراتهم على اكتساب الخبرات الضرورية والتجارب اللازمة، وبما يؤهلهم لتبوء مواقع قيادية في المنظومة العملية في الأردن.
ولم تقتصر جهود سمو ولي العهد على الشأن الأردني، بل حمل رسالته الخاصة بضرورة الاهتمام بالشباب للمحافل الدولية، ووضع موضوع الشباب في مناطق النزاع ودورهم في بناء سلام مستدام، على جدول مجلس الأمن.
وعندما اتم الأمير الحسين الثامنة عشرة من عمره، وجه جلالة الملك عبدالله الثاني رسالة إلى ولي عهده الامير، بداها بـ”ولي عهدنا”، وختمها بـ”والدك”، امتزج فيها الدور الوظيفي بين ملك وولي عهده بالرعاية الأبوية بين أب وابنه، وكانت بمثابة رسالة قيمية عن الخلق الهاشمي الرفيع، وأصول التعامل مع الشعب، وفلسفة الحكم، موجهة للحسين، الذي أطلق عليه في نص الرسالة: “فارساً هاشمياً نذرته لخدمة وطنه وشعبه الأردني الوفي، وأمته العربية والإسلامية”.
وفي الثالث والعشرين من نيسان (ابريل) من العام 2015، ترأس سمو الامير الحسين جلسة مجلس الأمن، ليكون أصغر من يترأس جلسة للمجلس في تاريخه، وألقى خلالها خطاباً عن دور الشباب في مناطق النزاع وفي صناعة السلام المستدام.
واستناداً لدعوة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، التي أطلقها في مجلس الأمن، استضاف الأردن المؤتمر الدولي الأول الخاص بالشباب في مناطق النزاع، وأصدر المشاركون فيه: إعلان عمان حول الشباب والسلام والأمن. وتعهد سمو ولي العهد في حينه، بأن يسعى الأردن، عبر عضويته في مجلس الأمن، بالعمل على إصدار قرار بالاستناد إلى توصيات الإعلان، وهو ما تم فعلاً حين أصدر مجلس الأمن، بناءً على مشروع قرار تقدم به الأردن، في التاسع من كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته، قراراً حمل رقم 2250 حول الشباب والسلام والأمن.
اليوم، اكتملت فرحة الملك والملكة والامراء هاشم وإيمان وسلمى، والأردنيين، بتخرج ابنهم، وشقيقهم، وولي عهدهم، الأمير الشاب من أعرق الكليات العسكرية في العالم، والتي تخرج فيها ونستون تشرتشل؛ أحد ابرز السياسيين في العالم، والذي كان يكرر عبارته الشهيرة لشعبه “لا أعدكم إلا بالدم وبالدموع والبكاء والألم”، فيما الهاشميون يعدون شعبهم بالحياة والفرح والسلام!!
الساعة تدور بسرعة، وعقارب الزمن لا تتهادى، والوقت يمضي، فيما لحظة تخرج الحسين من ساند هيرست استثنائية، لا تشبه غيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.