الرئيسية / بورتريه / اللواء علي خلقي باشا الشرايري

اللواء علي خلقي باشا الشرايري

فيلادلفيا نيوز 

علي خلقي الشرايري.. الإربداوي الذي اعترضت بريطانيا العظمى على تعيينه وزيرا


لم يكن يدُرْ في خلد الحاج حسين الشرايري عندما فاجأ المخاض في صباح يوم من أيام عام 1878 م زوجته وهي تشاركه العمل في زراعة أرضه في إربد أن الصبي الذي أنجبته زوجته في إحدى مغارات الحاكورة الواسعة التي ورثها عن أبيه سيُشغلُ ذات يوم حكومة بريطانيا العظمى التي كانت زعيمة العالم الغربي في تلك المرحلة، وكعادة تلك المرحلة التحق الصبي علي بكـُـتـَّـاب الشيخ أبوالضباع»الشيخ محمد الخطيب»ثمَّ انتقل إلى المدرسة الرشدية الحكومية ليكمل دراسته الابتدائية، ثمَّ انتقل إلى دمشق ليُكمل دراسته في مكتب عنبر، وما أن أنهى دراسته فيها حتى يمَّم شطر إسطنبول»الآستانة»للالتحاق بالمدرسة العسكرية ليتخرَّج منها برتبة ملازم ثان في عام 1902 م، ثمَّ دفعه طموحه للالتحاق بكلية المدفعية في إسطنبول ليتخرَّج منها في عام 1905 م برتبة ملازم أول ليبدأ مسيرة زاخرة بالعطاء في الخدمة العسكرية في جيوش دولة الخلافة العثمانية متنقلا بين جبهات الدردنيل والقوقاز وتركستان ولبنان وسوريا والأردن واليمن وليبيا، وتجدر الإشارة إلى أن نبوغ الشرايري في العلوم العسكرية استرعى انتباه الفريق شكري باشا أحد كبار قادة الجيوش التركية فاستدعاه الى مكتبة وأعجب بأفكاره العسكرية وبشخصيته القيادية وتعززت العلاقات بين الاثنين ولم يلبث أن تزوج الشرايري كريمة الفريق»حورية»، وتقدَّم الشرايري خلال مسيرته العسكرية في الرتب حتى وصل إلى رتبة قائم مقام»أمير لواء»، وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى في عام 1914 م ودخلها العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي إلى جانب البريطانيين والفرنسيين الذين وعدوا العرب بمساعدتهم على إقامة دولة عربية توحِّد بلادهم إذا انتصروا على الأتراك كان الشرايري حاكما عسكريا لمنطقة مكة المكرمة فخرج عن طاعة الدولة العثمانية التي كانت تحت سيطرة حكومة حزب الاتحاد والترقــِّـي الذي كانت غالبية قيادته من يهود الدونمة ومن الماسونيين وأعلن انضمامه مع الجنود والضباط العرب إلى جيش الثورة العربية، وبعد أن كشـَّـر البريطانيون والفرنسيون عن أنيابهم وتنصلوا من عهودهم ووعودهم للعرب بعد إنتصارهم على الأتراك كان الشرايري في مقدمة المجاهدين الذين تصدَّوا لمؤامرة تقسيم البلاد العربية التي حاكها البريطانيون والفرنسيون فيما أطلق عليها إسم إتفاقية سايكس ـ بيكو، ووقف إلى جانب الملك فيصل بن الحسين بعد إعلانه ملكا على المملكة السورية العربية التي إتخذت من دمشق عاصمة لها، وقاد الشرايري المتطوعين الشرق أردنيين الذين إلتحقوا بثورة الجولان التي أعلنها السوريون ضدَّ الفرنسيين، ثمَّ شارك في معركة ميسلون التي وقعت بالقرب من دمشق في 24 /7 /1920 م وأسفرت عن القضاء على الدولة العربية الناشئة بعد أن تغلبت القوة الغاشمة على الجيش العربي، ورافق الشرايري الملك فيصل إلى حيفا ثمَّ عاد إلى إربد ليترأس في 7 / 10 / 1920م حكومة محلية أطلق عليها أهالي إربد وجوارها إسم»حكومة عجلون العربية»ترجمة لمشاعرهم العروبية والوحدوية، وكان طبيعيا أن يغتاظ المحتلون الفرنسيون لسوريا من رئاسة عدِّوهم اللدود القائم مقام علي خلقي الشرايري لحكومة كان لرئيسها دور كبير في دعم الثوار السوريين ضدَّ المحتلين الفرنسيين بالقتال إلى جانبهم وبتزويدهم بالمال والسلاح، وفي هذا الصدد يذكر الأستاذ د. سعد أبودية في كتابه»صفحات مطوية من تاريخ الأردن الحديث»أن الجنرال الفرنسي غوروقائد قوات الاحتلال الفرنسي في سوريا بعث برسالة إلى هيربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني في فلسطين الذي كانت سلطة الانتداب البريطاني في الأردن تابعة له يطلب فيها عزل القائم مقام علي خلقي الشرايري عن رئاسة حكومة اربد المحلية، ورد صموئيل هيربرت على رسالة غوروبرسالة بدأها بالإشارة إلى ما يتمتع به علي خلقي الشرايري من سمعةٍ طيبةٍ وأنه جاء على رأس الحكومة منتخباً من المجلس المحلي، ومع ذلك فأنه، أي صموئيل، أخبر غوروأنه أوعز للضابط الإنجليزي سمرست المسؤول عن سلطات الانتداب في الأردن لاستخدام نفوذه لإقصاء علي خلقي الشرايري تلبية لمطلب غوروولكن مساعي سمرست فشلت أمام إصرار المجلس المحلي على التمسك بالشرايري رئيساً للحكومة. 

بعد تأسيس الإمارة الأردنية عُيِّـن القائمّقام علي خلقي باشا الشرايري مشاوراً للأمن والانضباط (وزير الداخلية) في أول حكومة للإمارة تشكـَّـلت في 11 / 4 / 1921 م برئاسة اللبناني الأصل رشيد طليع وكان الشرايري الشرق الأردني الوحيد في تلك الحكومة، وأثار هذا الاختيار أستياء الحكومة البريطانية، وزاد من استيائها اختياره ليكون مشاوراً للأمن والانضباط وهومنصب يوازي في أيامنا وزارة الداخلية، وقد تجلى هذا الاستياء من خلال الوثيقة التي تحتفظ بها دار الوثائق البريطانية في الملف رقم»و.خ 2/732 C.O)، ونشرها المؤرخ الأستاذ سليمان الموسى في كتابه»وجوه وملامح»حيث حملت الوثيقة نص برقية أرسلها المندوب السامي البريطاني في فلسطين هيربرت صموئيل (اليهودي الأصل) إلى وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل يبلغه فيها بتعيين علي خلقي باشا الشرايري مديراً للأمن العام في الإمارة فردَّ تشرشل ببرقية أكد فيها عدم ارتياحه لتعيين علي خلقي الشرايري في هذا المنصب الخطير وأشار إلى أن ذلك التعيين سيثير الفرنسيين الذين يرون في علي خلقي الشرايري واحدا من أخطر أعدائهم، وطلب تشرشل من المندوب السامي البريطاني هيربرت صموئيل أن يرجوالأمير عبد الله بإعادة النظر في تعيين علي خلقي مشاوراً للأمن والانضباط (وزير داخلية»، ولكن الأمير المؤسِّـس لم يتجاوب مع مطلب الإنجليز بل لم يمانع من عودة الشرايري ناظرا للمعارف»وزيرا للمعارف»في حكومة الرئيس حسن خالد أبوالهدى الصيَّادي المشكـَّـلة في 5/9/1923م.

على صعيد العمل الحزبي كان القائم مقام علي خلقي الشرايري أثناء خدمته في الجيش العثماني متعاطفا كأترابه من الشبَّـان العرب مع طروحات الحركة الوطنية العربية التي كانت تتصدَّى للمظالم ولسياسة التتريك التي كانت تفرضها قسرا ً على العرب حكومة حزب الإتحاد والترقي الذي كان معظم قادته من يهود الدونمة والماسونيين لطمس هويتهم العربية لحساب الهوية القومية الطورانية التركية، ولم تمنعه خدمته العسكرية في الدولة العثمانية من المشاركة في نشاطات جمعية العربية الفتاة ثمَّ في نشاطات حزب الإستقلال العربي، وبعد نجاح المحتلين الإنجليز في القضاء على حزب الإستقلال العربي على يد علي رضا الركابي الذي أغواه الإنجليز بالإنشقاق عن الحزب شارك الشرايري في تأسيس أحزاب وطنية أخرى حيث يورد الدكتور محمد عبد القادر خريسات في كتابه»الأردنيون والقضايا القومية والوطنية»إسم القائم مقام علي خلقي الشرايري من بين مؤسِّـسي»حزب أحرار الأردن»المؤسَّـس في عام 1923 م، و»حزب أنصار الحق»المؤسَّـس في 18/4/1928م، ولكنه لم يلبث أن إنطلق من نطاق العمل الحزبي المتقلب ليتفرَّغ مع العديد من رجالات شمال الأردن في أكثر من جبهة، جبهة التصدِّي للمحتلين الإنجليز الذين كانوا يجثمون على صدور الشرق أردنيين، وجبهة دعم الثوَّار الفسطينيين ضدَّ العصابات الصهيونية، وجبهة دعم الثوَّار السوريين ضدَّ المحتلين الفرنسيين، ففي منزل الشرايري عقد رجال الحركة الوطنية الأردنية اجتماعهم الذي قرَّروا فيه تفجير خط الأنابيب الذي أقامته شركة نفط العراق الإنجليزية»آي. بي. سي»لنقل نفط العراق الذي كانوا يسلبونه إلى ميناء حيفا لينقلوه من هناك بالسفن إلى بريطانبا، وسارع الإنجليز الذين كانوا يحتلون شرقي الأردن للضغط على حكومة الإمارة فقامت بحملة اعتقالات شملت العشرات من رجالات الحركة الوطنية في شمال الأردن في مقدمتهم علي خلقي الشرايري، وتمَّ تقديم المعتقلين للمحاكمة أمام القاضي في حينه رياض المفلح الفواعير»الوزير والنائب فيما بعد»، وفي أثناء المحاكمة ظهرت مفاجأة ٌ لم تكن بحسبان المحتلين الإنجليز، فقد وثب أحد المعتقلين وهوالشيخ إبراهيم عبيدات أمام رئيس المحكمة القاضي رياض المفلح ليعترف بأنه قام لوحده بعملية التفجير عندما دعاه واجبة الوطني وقوميته العربية للقيام بتلك العملية الفدائية انتقاما ً من المحتلين الإنجليز، ولم يجد القاضي رياض المفلح الفواعير أمام هذا الاعتراف الرجولي إلا أن يحكم ببراءة جميع المعتقلين وإطلاق سراحهم، بينما حكم على المجاهد الشهم الشيخ إبراهيم العبيدات بالسجن لمدة»15»عاماً قضى منها في السجن»7»سنوات خرج بعدها ليواصل جهاده ونضاله، ولكن الحكم الذي أصدره القاضي رياض المفلح الفواعير لم يرق للمندوب السامي البريطاني في فلسطين ولمساعده المعتمد البريطاني في عمان فضغطوا على رئيس الحكومة توفيق أبوالهدى التاجي الفاروقي للإبقاء على القائم مقام علي خلقي الشرايري ومحمود أبوغنيمة وأحمد التل (أبوصعب) وأمين الخصاونة رهن الإعتقال رغم صدور الحكم ببراءتهم مما زاد من كراهية الأردنيين للإنجليز، ومكثوا في السجن فترة بعد أن رفضوا تقديم إلتماس يتضمن إعتذارا للإنجليز، وذات زيارة لرئيس الحكومة توفيق أبوالهدى إلى السجن رفض الأربعة مقابلته في مكتب مدير السجن فأضطرَّ إلى الذهاب بنفسه إلى غرفهم في السجن فلم يقم أحد منهم عن سريره ورفضوا مصافحته والحديث معه، بل وجَّـه له الشرايري كلاما قاسيا، فخرج أبوالهدى غاضبا.

ويُسجَّـل للشرايري أنه كان صادق الإنتماء لعروبته مع الإعتزاز بشرق أردنيته، ولكن بعض خصومه وربما بتحريض من الإنجليز حاولوا إتهامه بتغليب النـزعة القطرية الأردنية على انتمائه العروبي وهوالأمر الذي نفاه الشرايري بشدَّة في رسالة نشرتها جريدة»فلسطين»التي كان يصدرها في يافا عروس الشاطئ الفلسطيني الشقيقان بندلي وعيسى العيسى في عددها الصادر في 10/8/1921م ونقلها الأستاذ الدكتور علي المحافظة في كتابه المرجعي»الفكر السياسي في الأردن ـ الجزء الأول ـ ص 279»وقال فيها:»إن كل من راقب حركاتي وسكناتي أبان وجودي في الوظيفة يعلم أن منهجي كان منهجا عربيا مخلصا يغار على أمته ووطنه». 

وفي 25 /6 / 1960 م إنتقل القائم مقام علي خلقي باشا الشرايري إلى رحمة الله عزَّ وجلَّ.

نـُـبذة عن عشيرة آل الشرايري

ينتمي أمير اللواء علي حسن»خلقي) باشا الشرايري إلى عشيرة الشرايري / الشرايرة فـي إربد التي تقولُ رواية ٌ إنَّ جذورَهم تعود ُإلـى قبيلة عنزه بالحجاز، بينما تقولُ رواية أخرى إنَّ جذورَهم تعودُ إلى قبيلة بلي من قضاعة، وتلتقي أكثرُ من روايةٍ أن شقيقين من قبيلة بلي من قضاعة وهما شرار ومحمد ارتحلا من شمال الحجاز إلى شرقي الأردن ونزلا في غور نمرين في الأغوار حيث الزعامة لقبيلة العدوان، ثمَّ ارتحلا إلى قريتي الجزَّازة والمجدل في منطقة جرش، ثمَّ عادا إلى الغور ليستقرَّ محمدٌ هناك ولتتشكلَ من أعقابه عشيرة البلاونه التي يوحي إسمها بترجيح الرواية التي تقولُ إنَّ جذورَ عشيرة الشرايري وأبناء عمهم عشيرة البلاونه تعودُ إلى قبيلة بلي من قضاعة، ويوردُ كتابُ»قاموس العشائر في الأردن وفلسطين»لمؤلفه الباحث حنا عمَّاري نفسَ الروايتين عن جذور عشيرة الشرايرة في الأردن، ويذكرُ عمَّاري أن الشقيقين شرار ومحمد ارتحلا من الحجاز إلى الغور في الأردن، ثمَّ ارتحلَ شرار إلى بيت يافا ثمَّ كفر سمك ثمَّ استقرَّ في إربد، أما محمد فقد استقرَّ في الغور الجنوبي حيث تشكلت من أعقابه عشيرة البلاونة، ويوردُ كتابُ»عشائر شمالي الأردن»لمؤلفه الدكتور محمود محسن فالح مهيدات نفسَ الروايتين، ويذكرُ المهيدات أنَّ البلاونة الذين يلتقون مع الشرايرة في الانتساب لقبيلة بلي من قبيلة قضاعة لم يطل مكوثهم بعد قدومهم من الحجاز في غور نمرين فارتحلوا إلى قريتي المجدل والجزَّازة بجوار جرش، ثمَّ ارتحلوا إلى الغور»الجنوبي»وانتقلوا من حياة البداوة إلى حياة الزراعة حيث أخذوا في استثمار الأراضي وزراعتها، ويُـعزِّز كتابُ»موسوعة القبائل العربية»لمؤلفه الباحث عبد عون الروضان وكتابُ»تاريخ شرقي الأردن وقبائلها»لمؤلفه فردربك. ج.بيك نفسَ الرواية، والجزءِ الثالثِ من القسم الثاني من كتاب»بلادنا فلسطين»لمؤلفه المؤرِّخ مصطفى مراد الدبَّـاغ.

أما قبيلة بلي التي ينحدر منها الشرايرة والبلاونة فهي قبيلة عربية يمانية انحدرت من أعقاب بلي بن الحاف بن قضاعة، وموطنها على حدود الشام بالقرب من تيماء في الحجاز، وتذكرُ الرواياتُ أن َّ أمَّ الصحابي الجليل عمروبن العاص -رضي الله عنه- كانت من قبيلة بلي، ويذكرُ الدبَّاغ أن عربَ الفقرا في بئر السبع هم بطنٌ من عشيرة البلاونة أبناء عم الشرايري، كما يشير إلى أن عرب البلاونة في أم خالد في منطقة بئر السبع ينحدرون من بلي.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.