الرئيسية / بورتريه / العالم الناسك الشيخ الجليل نوح القضاة ..

العالم الناسك الشيخ الجليل نوح القضاة ..

95da83e900e52e3c12e5b48790f61936

إذا نظرت إليه، وتأملت ملامحه، أحسست أنك في حضرة عالم من علماء الأمة، الذين تقرأ عنهم في أيام مجدها التليد. يوم كان علماؤها ملح أرضها، وسادة مجتمعها. يسعى إليهم السلطان، ولا يسعون هم للسلطان. ويحبهم الناس ويحبون للناس الخير. لذلك فإنهم يحرصون على بناء وعي الناس، وبيان الحلال من الحرام لهم. حتى لا تنزلق أقدامهم عن الصراط المستقيم.

٭ في وجهه هدوء وسكينة، هما هدوء وسكينة المؤمن الواثق بربه، الطامع بمغفرته، وفي عينيه حزن مقيم، لعله الحزن على واقع أمته، وما لحق بها من إنكسار، وهوان. ولعله الحزن على ما يراه من خروج الناس عن تعاليم دينهم، ولهثهم خلف شهواتهم. ولعله الحزن الناجم عن الخوف من يوم الحساب، وهذه صفة المؤمن الذي يلازمه الإحساس بالخوف من الله. ولعله ذلك كله.

٭ رغم هدوئه وسكينته، فإن الذين يعرفون سماحة الشيخ نوح سلمان القضاة يعرفون عنه أيضاً انه صلب لا تلين قناته بالحق، خاصة إذا تعلق الأمر بحد من حدود الله، وبحق من حقوق عباد الله، فعندها ينقلب الهدوء الى ثورة عارمة، والسكينة إلى سكّينة حادة قاطعة. فالرجل لا يهادن ولا يماري، والأدلة على ذلك كثيرة. لعل آخرها وقوفه في وجه الحكومة وفتواه الشهيرة بتحريم اتفاقية سيداو، رغم ان الحكومة ثبتتها ودافعت عنها، لكن الشيخ انحاز إلى أوامر الله ولم يحسب لأوامر الحكومة حساباً.

٭ الفتوى عند الشيخ نوح ليست لبيان الحلال والحرام فقط؛ بل لبناء وعي الناس وتحذيرهم من المخاطر. وفي هذا السياق جاءت فتواه بحرمة الاستثمار في البورصات الوهمية التي أقبل الناس عليها طمعاً في الدنيا، فأصم كثيرون منهم آذانهم عن فتوى الشيخ فكانت العاقبة وخيمة عليهم.

٭ لم يقتصر بناء الوعي في جهود الشيخ نوح عند حدود الفتوى فقط. فبناء وعي الأمة هدف سعى إليه الشيخ في كل مواقعه. ويكفي انه أسس كلية الأمير الحسن للدراسات الإسلامية في إطار القوات المسلحة، يوم كان مفتيها. لتتولى هذه الكلية تخريج الأئمة والوعاظ والدعاة المؤّهلين، الذين يحسنون بناء الوعي، وكان خريجو هذه الكلية يتمتعون برتبة ملازم فور تخرجهم، ويواصلون الإرتقاء إلى أعلى الرتب العسكرية. في الوقت الذي يواصلون فيه بناء الوعي حيثما يكونون.

٭ في عهده تحول الإفتاء في القوات المسلحة الأردنية، التي يحلو له ولكل أبناء الأردن الحديث عنها بإسمها الأساس «الجيش المصطفوي»، تحول الافتاء إلى سلاح أساسي ورئيسي من أسلحة القوات المسلحة، مثله مثل سلاح المدفعية والمشاة والهندسة تماماً. ولم تخلُ وحدة من وحدات الجيش؛ مهما صغرت من إمام ومصلّى أو مسجد. تقامُ فيه الصلوات وتلقى فيه الدروس والمحاضرات ويدرس فيه الفقه والتفسير والحديث والعقيدة. بالإضافة الى حفظ القرآن والحديث وبعثات الحج والعمرة؛ لذلك امتازت القوات المسلحة الأردنية والجيش المصطفوي بالاستقامة الخلقية لضباطها وأفرادها.

٭ الثقة من أهم ما يميز الشيخ نوح سلمان. فهو يعيش محاطاً بثقة الجميع. وأول الذين يثقون به آل البيت. فقد كان الشيخ محل ثقة الحسين طيب الله ثراه، ومن بعده محل ثقة عبد الله الثاني. فقد نثر جلالته كنانته فلم يجد فيها أصلب عوداً من الشيخ نوح ليتولى إعادة بناء جهاز الإفتاء وليضعه في المكان الذي يليق به في بناء الدولة.

٭ مثلما كان الحسين يثق بالشيخ نوح، ومثلما وثق به عبد الله الثاني فإن الناس كل الناس على اختلاف مشاربهم يثقون بالشيخ. ولذلك فإنه عندما كان يتحدث ينطبق على حديثه القول «قطعت جهيزة قول كل خطيب» فالرجل يستند على تاريخ طويل من المصداقية. فقد جربه الناس في مواقع كثيرة، عسكرية ومدنية ودبلوماسية، وكان الصدق عنوانه فيها كلها.

٭ غير المصداقية فإن سبباً آخر ساهم في بناء ثقة الناس بالشيخ نوح. فالرجل يرتكز على محصول علمي زاخر. بناه منذ سنوات طفولته الأولى يوم تلقى العلم طفلاً وصبياً عن أبيه . وقد كان فقيهاً شافعياً سبق ان أجازه كبار علماء الشام في العلوم الشرعية، التي ربى أولاده الأربعة ومنهم نوح عليها. وفي سنوات الصبا الأولى أرسل الوالد ابنه نوحاً إلى الشام فدرس المرحلتين الابتدائية والثانوية في مدارسها الشرعية، وتتلمذ على شيوخها. وبالتلازم مع دروس المدارس، كان الفتى نوح يحضر مجالس العلماء، ويتلقى الأوراد عنهم. ليلتحق بعد ذلك بكلية الشريعة في جامعة دمشق فتتلمذ على العمالقة من أمثال العلامة الدكتور مصطفى الزرقا والدكتور الشيخ وهبة الزحيلي وعبد الفتاح أبو غده ومحمد المبارك وغيرهم الكثير.

٭ لم يتوقف تحصيل الشيخ العلمي بما نهل من علماء الشام؛ فقد فعل كذلك مع علماء مصر حيث تتلمذ على يد الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ حسن الشاذلي وعبد الغني عبد الخالق، كما نال درجة الماجستير في قضاء العبادات والنيابة فيها من جامعة القاهرة، لينال بعد ذلك درجة الدكتوراه في إبراء الذمة من حقوق العباد من جامعة محمد بن سعود الإسلامية ليظل بعد ذلك ينهل من منابع العلم في كل مكان.

٭ لم تقتصر حياة الشيخ نوح على الإفتاء وحده، فقد اختاره الحسين طيب الله ثراه ليكون قاضياً للقضاة؛ غير أن الرجل لم يرغب في مواصلة هذه المهمة. لعله كان في ذلك يتمثل قول الرسول عليه السلام «القضاة ثلاثة: إثنان في النار وواحد في الجنة» ففر من القضاء حتى لا يكون من أهل النار.

٭ استجاب الملك لرغبة الشيخ فأعفاه من موقع القضاء لكنه أوكل له مهمة في غاية الحساسية عندما أوفده سفيراً للأردن في إيران، فصار دبلوماسياً مصمماً. والدبلوماسية بالنسبة للشيخ نوح ليست وظيفة؛ لكنها خلق وسلوك. فقد اعتاد الشيخ أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. كما اعتاد أن يجادل بالتي هي أحسن وان لا يبادر إلى صِدام. وهذه كلها صفات الدبلوماسي المسلم. وهي غير الدبلوماسية التي يؤمن أصحابها بالمجاملة على حساب الحق. وبالنفاق والكذب. لذلك كانت سنوات الشيخ سفيراً لبلده في إيران من أفضل سنوات العلاقة بين الأردن وإيران. بفضل صدق الشيخ وهدوئه وحسن عَرضه للمسائل. وحرصه على وحدة الأمة، وإن اختلفت مذاهبها، فالمذاهب كما يفهمها الشيخ من علامات عظمة الأمة.

٭ الشيخ نوح سلمان القضاة هو المهيب في حضوره وغيابه وهو الانضباطية في أرقى صورها والدعوة في أرقّ أساليبها، رحمه الله ووسع في قبره واسكنه فسيح جناته وحشرنا في زمرته ان شاء الله.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.