السبت , يونيو 20 2026 | 5:24 ص
آخر الاخبار
الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: من حملات أبي نقطة وابن شكبان وابن قملا إلى فتوى إحراق «تحفة الأعيان»

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب: من حملات أبي نقطة وابن شكبان وابن قملا إلى فتوى إحراق «تحفة الأعيان»

فيلادلفيا نيوز

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليس كل ما تفقده الأمم يُقاس بما تهدمه الحروب من مدن، أو بما تزهقه من أرواح، فثمة خسائر أخرى أشد عمقًا وأطول أثرًا، تتمثل في ضياع الذاكرة المكتوبة، واختفاء الكتب، واحتراق المكتبات، وفقدان الوثائق التي تحفظ للناس تاريخهم وهويتهم ومساراتهم الفكرية. فالكتاب ليس مجرد أوراق مجلدة، بل هو وعاء للمعرفة وسجل للتجربة الإنسانية، وحين يُحرق كتاب فإن الخسارة لا تصيب صاحبه وحده، بل تمتد إلى الأجيال التي لن تتمكن من الاطلاع عليه أو مناقشته أو الحكم عليه بنفسها.

ولذلك ارتبط تاريخ حرق الكتب في ذاكرة الإنسانية بمراحل الصراع الكبرى. فمن محارق الأندلس التي أعقبت سقوط غرناطة، إلى محارق النازية في ألمانيا، ظل إحراق الكتب أحد أكثر الرموز تعبيرًا عن الرغبة في إقصاء الأفكار المخالفة. ولهذا قال الشاعر الألماني هاينرش هاينه عبارته الشهيرة: «حيث تُحرق الكتب يُحرق البشر في النهاية»، وهي عبارة لم تكن وصفًا أدبيًا فحسب، بل خلاصة لتجارب تاريخية متكررة.

وفي الجزيرة العربية، وخصوصًا في جنوبها الغربي، يبرز ملف تاريخي ما زال بحاجة إلى دراسة علمية متعمقة، يتعلق بما تعرضت له بعض المكتبات الخاصة والمخطوطات ومشجرات الأنساب من ضياع أو إتلاف خلال فترات الصراع الفكري والمذهبي التي رافقت التحولات السياسية والعسكرية في أوائل القرن الثالث عشر الهجري.

وتشير الروايات المحلية وعدد من المصادر التاريخية إلى أن الحملات العسكرية التي شهدتها عسير وتهامة والمخلاف السليماني واليمن في تلك المرحلة لم تكن مجرد حملات عسكرية، بل صاحبتها مواجهة فكرية واسعة مع المدارس العلمية السائدة آنذاك. ويبرز في هذه الأحداث عدد من القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بتلك الحملات، ومنهم أبو نقطة وابن شكبان في عسير وتهامة، ثم علي بن قملا الذي ارتبطت باسمه الحملات المتجهة إلى حضرموت.

وتمتد الروايات المحلية لتذكر أن آثار تلك الحملات وصلت إلى المخلاف السليماني والقنفذة والليث ومكة المكرمة والطائف وجدة، كما وصلت إلى حضرموت واليمن الأوسط، وأن عددًا من المكتبات الخاصة والوثائق الأسرية ومشجرات الأنساب تعرضت للفقدان أو الإتلاف خلال تلك الأحداث.

ومن أكثر الشهادات تداولًا في الذاكرة التهامية ما يورده بعض علماء الأهادلة ومناصبهم من أن جانبًا من مشجرات الأنساب والوثائق القديمة الخاصة بالأسرة فُقد خلال تلك المرحلة، وهو ما يفسر جانبًا من الفراغ الوثائقي الذي يواجهه الباحثون اليوم عند دراسة بعض البيوتات العلمية والأسر الهاشمية في تهامة والمخلاف السليماني.

ولم يكن الصراع عسكريًا فقط، بل كان فكريًا وعلميًا أيضًا. فقد شهدت تلك المرحلة مناظرات ومحاكمات فكرية واسعة بين علماء الدعوة النجدية وعدد من علماء الحجاز وتهامة واليمن، ومن أبرز الشخصيات التي برزت في هذا السياق الإمام السيد العلامة أحمد بن إدريس الحسني، الذي تحولت مدرسته العلمية إلى أحد أهم مراكز المعارضة الفكرية في جنوب الجزيرة العربية، وامتد تأثيرها إلى عسير وتهامة واليمن والسودان والمغرب.

ومع مرور الزمن اختفى جانب كبير من أدبيات تلك المرحلة، حتى أصبحت الرواية التاريخية المتاحة للباحثين تعتمد بدرجة كبيرة على المصادر المؤيدة، بينما بقيت المصادر المعارضة محدودة العدد. وهنا تبرز شهادة أكاديمية مهمة للباحث والمؤرخ الدكتور أحمد البسام، الذي تناول هذه القضية بصورة مباشرة في تسجيل مصور متداول.

فقد ذكر الدكتور البسام أن رسالة سليمان بن سحيم تعد من أوائل الرسائل المعارضة لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولعلها ـ بحسب وصفه ـ الرسالة الوحيدة التي بقيت من ذلك العصر ووصلت إلى الباحثين منشورة ومتداولة. ثم يضيف أن الكتب المعارضة لم تكن رسائل فحسب، بل كانت مؤلفات كاملة، وأن كثيرًا منها تعرض للإتلاف، ولم يبق منه إلا أجزاء يسيرة في بعض المكتبات الخاصة.

ويمضي الدكتور البسام أبعد من ذلك حين يقرر أن ما جرى في القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجريين أدى إلى ضياع جانب كبير من تلك المؤلفات، موضحًا أن ورثة العلماء كانوا يبيعون المكتبات بعد وفاة أصحابها، وأن بعض هذه الكتب كانت تُشترى بأثمان مرتفعة، ثم تُنقل إلى الرياض، ويُنظر فيما تحتويه، فما كان منها متضمنًا لمعارضة الشيخ محمد بن عبدالوهاب أو نقد دعوته كان يُتلف، وهو ما أدى ـ بحسب شهادته ـ إلى غياب تلك الكتب عن الذاكرة العلمية المعاصرة.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا أمام الباحثين: أين ذهبت كتب المعارضة؟ ولماذا وصل إلينا هذا الكم الكبير من المؤلفات المؤيدة، بينما بقيت المؤلفات المعارضة في حدود ضيقة جدًا؟

ويزداد هذا السؤال أهمية عندما نضع إلى جانبه وثيقة رسمية صادرة عن أعلى سلطة دينية في المملكة العربية السعودية آنذاك، وهي فتوى سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ الصادرة سنة 1380هـ بشأن كتاب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان».

فالوثيقة لا تتحدث عن مجرد منع تداول الكتاب، بل تنص صراحة على أن النسخ المصادرة من الكتاب قد أُحرقت بالفعل. والأهم من ذلك أن صاحب الكتاب تقدم بطلب تعويض عن قيمة النسخ التي أُتلفت، فجاءه الرد بالرفض، ثم وردت العبارة التي أصبحت من أشهر ما في الوثيقة:

«أما تعويضك عن ثمنه فتكفيك السلامة من عقوبة تستحقها».

وهذه العبارة ذات دلالة تاريخية كبيرة، لأنها لا تكتفي بتبرير إحراق الكتاب، بل تعتبر أن صاحب الكتاب نفسه كان مستحقًا للعقوبة، وأن عدم معاقبته يُعد كافيًا عن أي تعويض مالي يطالب به.

وتبرز أهمية هذه الوثيقة في أنها تمثل شاهدًا رسميًا ومباشرًا على وجود ممارسة إتلاف الكتب المخالفة فكريًا في مرحلة متأخرة من القرن الرابع عشر الهجري، وهي بذلك تخرج القضية من دائرة الروايات الشفهية إلى دائرة الوثائق الرسمية.

وعندما توضع هذه الوثيقة إلى جانب شهادة الدكتور أحمد البسام، وإلى جانب الروايات المحلية في تهامة وعسير وحضرموت عن ضياع المكتبات ومشجرات الأنساب، تتشكل أمام الباحث صورة تاريخية تستحق الدراسة المستقلة، لا بهدف الإدانة أو التبرئة، بل بهدف فهم ما جرى وكيف أثّر في تشكيل الذاكرة الثقافية للمنطقة.

إن القضية هنا ليست الدفاع عن كتاب أو مهاجمة كتاب، وليست الانتصار لطرف على حساب طرف، وإنما الدفاع عن حق التاريخ في أن يُقرأ كاملًا. فالكتاب يمكن الرد عليه بكتاب، والفكرة يمكن مناقشتها بفكرة، أما حين يغيب الكتاب نفسه فإن الباحث يفقد فرصة الاطلاع على النص الأصلي، ويصبح مضطرًا إلى الاعتماد على ما يرويه الآخرون عنه.

ومن هنا فإن الحديث عن الكتب المفقودة والمكتبات الضائعة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة لإحياء الصراعات القديمة، بل بوصفه دعوة إلى توسيع دائرة البحث العلمي، وجمع ما تبقى من المخطوطات والوثائق الخاصة ومشجرات الأنساب والمكتبات الأسرية، وحفظها للأجيال القادمة.

وإذا كان المؤرخ مطالبًا بقراءة الماضي كما كان، فإن من الإنصاف أيضًا قراءة الحاضر كما هو. فالمملكة العربية السعودية تعيش اليوم في ظل رؤية 2030 مرحلة مختلفة تقوم على توسيع فضاءات المعرفة، وتشجيع البحث العلمي، والعناية بالتراث المادي وغير المادي، وإحياء المكتبات والمخطوطات، وتمكين الجامعات ومراكز الدراسات من إعادة فحص كثير من الملفات التاريخية التي ظلت لعقود طويلة خارج دائرة البحث العلمي الواسع.

لقد أسهم مناخ الانفتاح الفكري والتنوع الثقافي الذي تشهده المملكة في إعادة الاعتبار لقيمة المعرفة بوصفها ركيزة للتنمية، وأصبح من الممكن تناول موضوعات تاريخية كانت في السابق حبيسة الجدل أو الصمت ضمن إطار علمي رصين يحترم الوثيقة ويحتكم إلى البحث الأكاديمي.

ومن هنا فإن دراسة ظواهر مثل مصادرة الكتب أو ضياع المكتبات أو اختفاء بعض أدبيات المعارضة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محاكمة للماضي، بقدر ما هي محاولة لفهمه واستيعاب ظروفه. فالأمم الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة تاريخها، بل تجعل من تلك المراجعة وسيلة لتعزيز وعيها الحضاري.

ولعل من أبرز منجزات هذه المرحلة أن المملكة لم تعد أسيرة اللون الواحد أو الصوت الواحد في المجال الثقافي والمعرفي، بل أصبحت تحتضن مدارس بحثية متعددة، ومشروعات كبرى لحفظ المخطوطات والوثائق ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، وهو تحول ينسجم مع جوهر التنمية الحديثة التي ترى في المعرفة قوة وطنية لا تقل أهمية عن الاقتصاد والعمران.

وهكذا، فإن الحديث عن الكتب التي أُحرقت بالأمس يقودنا إلى الحديث عن الكتب التي تُحفظ اليوم، وعن الوثائق التي تُرقمن، وعن التراث الذي يُستعاد، في مشهد يعكس انتقال المملكة من مرحلة كان يسود فيها ـ في بعض الملفات الفكرية ـ رأي واحد وتفسير واحد، إلى مرحلة أوسع أفقًا وأكثر ثقة بالتعدد العلمي والمعرفي.

فإذا كانت النار قد أكلت بعض صفحات الذاكرة في الماضي، فإن مشروع المعرفة الذي تعيشه المملكة اليوم يعمل على استعادة ما أمكن من تلك الذاكرة، وحفظها للأجيال القادمة بوصفها جزءًا من تاريخ الوطن وتنوعه الثقافي والفكري.

ومن هنا فإن الحديث عن الكتب المفقودة والمكتبات الضائعة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة لإحياء الصراعات القديمة، بل بوصفه دعوة إلى توسيع دائرة البحث العلمي، وجمع ما تبقى من المخطوطات والوثائق الخاصة ومشجرات الأنساب والمكتبات الأسرية، وحفظها للأجيال القادمة.

وإذا كان المؤرخ مطالبًا بقراءة الماضي كما كان، فإن من الإنصاف أيضًا قراءة الحاضر كما هو. فالمملكة العربية السعودية تعيش اليوم في ظل رؤية 2030 مرحلة مختلفة تقوم على توسيع فضاءات المعرفة، وتشجيع البحث العلمي، والعناية بالتراث المادي وغير المادي، وإحياء المكتبات والمخطوطات، وتمكين الجامعات ومراكز الدراسات من إعادة فحص كثير من الملفات التاريخية التي ظلت لعقود طويلة خارج دائرة البحث العلمي الواسع.

لقد أسهم مناخ الانفتاح الفكري والتنوع الثقافي الذي تشهده المملكة في إعادة الاعتبار لقيمة المعرفة بوصفها ركيزة للتنمية، وأصبح من الممكن تناول موضوعات تاريخية كانت في السابق حبيسة الجدل أو الصمت ضمن إطار علمي رصين يحترم الوثيقة ويحتكم إلى البحث الأكاديمي.

ومن هنا فإن دراسة ظواهر مثل مصادرة الكتب أو ضياع المكتبات أو اختفاء بعض أدبيات المعارضة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محاكمة للماضي، بقدر ما هي محاولة لفهمه واستيعاب ظروفه. فالأمم الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة تاريخها، بل تجعل من تلك المراجعة وسيلة لتعزيز وعيها الحضاري.

ولعل من أبرز منجزات هذه المرحلة أن المملكة لم تعد أسيرة اللون الواحد أو الصوت الواحد في المجال الثقافي والمعرفي، بل أصبحت تحتضن مدارس بحثية متعددة، ومشروعات كبرى لحفظ المخطوطات والوثائق ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، وهو تحول ينسجم مع جوهر التنمية الحديثة التي ترى في المعرفة قوة وطنية لا تقل أهمية عن الاقتصاد والعمران.

وهكذا، فإن الحديث عن الكتب التي أُحرقت بالأمس يقودنا إلى الحديث عن الكتب التي تُحفظ اليوم، وعن الوثائق التي تُرقمن، وعن التراث الذي يُستعاد، في مشهد يعكس انتقال المملكة من مرحلة كان يسود فيها ـ في بعض الملفات الفكرية ـ رأي واحد وتفسير واحد، إلى مرحلة أوسع أفقًا وأكثر ثقة بالتعدد العلمي والمعرفي.

فإذا كانت النار قد أكلت بعض صفحات الذاكرة في الماضي، فإن مشروع المعرفة الذي تعيشه المملكة اليوم يعمل على استعادة ما أمكن من تلك الذاكرة، وحفظها للأجيال القادمة بوصفها جزءًا من تاريخ الوطن وتنوعه الثقافي والفكري

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com