الأربعاء , مارس 4 2026 | 6:29 م
الرئيسية / stop / السيادة الرقمية… الجيش السيبراني ضمانة الأردن في عالم بلا حدود

السيادة الرقمية… الجيش السيبراني ضمانة الأردن في عالم بلا حدود

فيلادلفيا نيوز

بقلم: الأستاذ الدكتور مخلد الطراونة

لم تعد المواجهات بين الدول تقتصر على ميادين القتال التقليدية، ولم يعد سباق التسلح محصورًا في تطوير الطائرات والدبابات والصواريخ، بل انتقل الصراع إلى فضاء جديد أكثر خطورة وغموضًا: الفضاء السيبراني. في هذا العالم الخفي، تُدار حروب الظل، وهي نزاعات غير معلنة تعتمد على العمليات السرية والهجمات الرقمية التي تستهدف شل قدرات الخصم والاستيلاء على موارده الحيوية، دون أن تترك أثرًا واضحًا يقود إلى مصدر الهجوم. هذه الحروب أعادت تشكيل مفهوم القوة في النظام الدولي، وأصبح الأمن السيبراني اليوم عنصرًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة. فالثورة الرقمية حولت ساحة المعركة من الرصاص والقنابل إلى الشفرات البرمجية والفيروسات الإلكترونية القادرة على تعطيل شبكات الكهرباء، وشل حركة المطارات، واختراق الأنظمة المصرفية، ومسح بيانات مؤسسات بأكملها في لحظات.
حروب الظل ليست جديدة في أصلها، فلطالما اعتمدت الدول على الاستخبارات والعمليات السرية. لكن التحول الكبير جاء مع الثورة الرقمية التي فتحت المجال أمام مواجهة جديدة لا تُخاض بالسلاح والرصاص، بل بالشفرات البرمجية والبرامج الخبيثة التي يمكن أن تشل شبكة كهرباء أو توقف مطارًا دوليًا أو تعطل أنظمة مالية بأكملها في ثوانٍ معدودة. ومع تطور أدوات القرصنة والتجسس الإلكتروني، بات بالإمكان تنفيذ عمليات عابرة للحدود دون أن يعرف الضحية مصدر الهجوم، وهو ما يزيد من تعقيد المواجهة ويجعلها أكثر غموضًا.
اللافت في مشهد الحروب السيبرانية أن اللاعبين فيها لم يعودوا دولًا فقط. صحيح أن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وإيران تمتلك جيوشًا سيبرانية نظامية، لكن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا بظهور جماعات القراصنة المنظمة، والمرتزقة السيبرانيين الذين يبيعون قدراتهم الهجومية لأعلى مزايد، وجماعات الضغط والاختراق شبه المستقلة. هذا التعدد يجعل تحديد مصدر الهجمات مهمة شبه مستحيلة، ويمنح حروب الظل مساحة واسعة للمناورة بعيدًا عن إعلان الحرب المباشر. وأمام هذا الواقع، لم يعد تحصين الفضاء السيبراني ترفًا تقنيًا أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، وضمانة سيادة الدول في مواجهة التهديدات غير المرئية.
لعل أخطر ما يميز الحروب السيبرانية قدرتها على إحداث دمار هائل دون إطلاق رصاصة واحدة. العالم شهد خلال السنوات الماضية أمثلة صارخة على ذلك: ففي عام 2010 ظهر فيروس Stuxnet كسلاح سيبراني مصمم خصيصًا لتدمير منشآت نووية، مثبتًا أن البرمجيات الخبيثة قد تكون أشد فتكًا من القنابل الذكية. وفي عام 2017 اجتاح هجوم WannaCry مئات آلاف الأجهزة في أكثر من 150 دولة، معطلًا مستشفيات وشركات ومؤسسات حكومية، وكاشفًا هشاشة البنى التحتية الحيوية. أما في عام 2020، فكشفت عملية اختراق SolarWinds هشاشة البنى التكنولوجية حتى في الدول الكبرى، بعدما تمكن المهاجمون من التسلل إلى مؤسسات حكومية أمريكية عبر سلسلة توريد برمجية. هذه الأحداث مجرد وميض يضيء واقعًا مرعبًا: هجوم إلكتروني واحد قد يشل دولة بأكملها، ويوقع خسائر تعادل نتائج حرب عسكرية شاملة.
في ضوء هذه التهديدات المتصاعدة، لم يعد أمام الأردن خيار الانتظار أو الاكتفاء بحلول دفاعية تقليدية. لقد حان الوقت للانتقال من مرحلة الدفاع التفاعلي إلى مرحلة الردع والتمكين والهجوم الاستباقي، عبر بناء جيش سيبراني وطني متكامل، يجسد رؤية الراحل العظيم الحسين بن طلال – طيب الله ثراه – القائلة: “الإنسان أغلى ما نملك”، ويترجم ثقة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم القائمة على إيمان مطلق بقدرات أبناء هذا الوطن، حيث يقول جلالته: “يا شباب الأردن الغالي، اعلموا أن مستقبل الوطن بين أيديكم، وأنكم من أبرز صناعه، وأنتم نعم من يحمل هذه المسؤولية”. كما تجسد هذه الثقة مقولته الخالدة: “نعم يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا الله… ولا يهاب شيئًا وفي ظهره أردني”، وهي مقولة ترمز لاعتماد جلالته على عزيمة الأردنيين وصلابتهم، واصفًا المواطن بأنه السند الحقيقي وصانع المجد والمتميز دائمًا.
إن مسؤولية بناء هذا الجيش لا يمكن أن تقع على جهة واحدة، بل تتطلب تظافر جهود جميع المؤسسات الوطنية في إطار برنامج وطني شامل، يتولى الإشراف عليه المركز الوطني للأمن السيبراني بصفته القائد الاستراتيجي والمنسق الرئيسي، بالتعاون الوثيق مع الجهات الأمنية التي تقدم الدعم اللوجستي والاستخباري والتقني، والمؤسسات الأكاديمية والجامعات التي تمثل الحاضنة العلمية المسؤولة عن تطوير المناهج وإجراء البحوث وتأهيل الكوادر البشرية الشابة التي ستشكل النواة الصلبة للجيش السيبراني.
يمتلك الأردن ثروة بشرية هائلة في مجالات التكنولوجيا، وهذه الثروة هي الرافد الأساسي لبناء جيشنا السيبراني. يقوم البرنامج الوطني على استقطاب خريجي الجامعات الأردنية من التخصصات الحيوية، وفي مقدمتها علوم الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات، أمن الشبكات وأمن المعلومات، أمن الحواسيب والأنظمة، الأمن السيبراني وتخصصاته الدقيقة، هندسة الاتصالات والشبكات، والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. يتم صقل مهارات هؤلاء الخريجين وتأهيلهم عبر برامج تدريبية مكثفة بالتعاون مع أفضل الخبرات المحلية والدولية، ليصبحوا قادرين على حماية الفضاء السيبراني الوطني ومواجهة أعتى الهجمات الإلكترونية.
يقوم هذا البرنامج الوطني على عدة عناصر أساسية: أولها استقطاب وتميز الكفاءات من خلال احتضان المواهب الشابة وتطوير قدراتها، وثانيها التجهيز والتسليح الرقمي عبر تزويد الكوادر بأحدث التقنيات والأدوات البرمجية والمعدات اللازمة، وثالثها البحث والتطوير والتصنيع المحلي من خلال دعم البحوث الأكاديمية المتخصصة وتشجيع المشاريع الوطنية لتصنيع حلول أمنية محلية تحقق التفرد والريادة. إنها منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان المؤهل، وتمر بالبرامج التدريبية المتطورة، وصولًا إلى التصنيع والبحث العلمي، لتشكل درعًا سيبرانيًا صلبًا للوطن.
تتمثل المهمة الأسمى للجيش السيبراني في حماية المجال السيبراني الأمني للمملكة بكامل مؤسساته ومقدراته. لا يقتصر دوره على الدفاع عن المؤسسات الحكومية فقط، بل يمتد ليشمل حماية البنى التحتية الحيوية كشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل، التي يشكل تعطيلها شللًا للحياة العامة وتهديدًا للأمن القومي، وحماية المؤسسات المالية والمصرفية لصون الاقتصاد الوطني والمدخرات من الاختراقات والسرقات، وتأمين القطاعات الحيوية كالمنشآت الصناعية الكبرى والمستشفيات والمرافق الخدمية لضمان استمرارية عملها، وتوفير الحماية القصوى للمؤسسات السيادية لحماية البيانات والمعلومات الوطنية والأسرار الاستراتيجية للدولة. نحن بحاجة إلى ترسيخ مفهوم “الحرم السيبراني الآمن” الذي لا يمكن اختراقه، ليكون الضمانة الحقيقية لاستمرارية عجلة الحياة وصون مقدرات الوطن.
إن انعكاسات هذه الحروب على الجغرافيا السياسية بالغة الأهمية، فالهجوم السيبراني أصبح أداة للضغط السياسي والاقتصادي. وقد دفعت هذه التهديدات المتنامية إلى نشوء تحالفات أمنية جديدة، مثل الجهود التي يقودها حلف الناتو لوضع استراتيجية سيبرانية موحدة. والأردن، بحكمة قيادته، مدعو للمشاركة في صياغة هذه التحالفات والاستفادة من الخبرات الدولية وتبادل المعلومات الاستخبارية، مع الحفاظ على خصوصية وسيادية قراره الوطني.
المستقبل يضع الأردن أمام تحدي استراتيجي مزدوج: بناء دفاعات قوية تحمي البنى التحتية الحيوية ومقدرات المملكة، وفي الوقت نفسه تطوير قدرات ردع متقدمة تمنع الخصوم من المغامرة بشن هجمات. لقد أصبح الأمن السيبراني ركيزة الأمن القومي في العصر الرقمي. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء، سيزداد ميدان الصراع تعقيدًا، ونحن مقبلون على سباق تسلح سيبراني على غرار الحرب الباردة، لكن في عالم افتراضي لا يعرف الحدود ولا الجغرافيا.
لذلك، فإن الاستثمار في بناء الجيش السيبراني اليوم هو استثمار في مستقبل الأردن وأمنه وسيادته. هو تأكيد على أن الدولة الآمنة تحمي حدودها الرقمية وثرواتها المعلوماتية بنفس القوة والحزم التي تحمي بها حدودها البرية والبحرية والجوية. ففي عالم حروب الظل، حيث لا يحتاج المعتدي إلى جيوش جرارة كي يحقق أهدافه، بل يكفيه مبرمج ماهر وسطر واحد من الشيفرة الخبيثة، يصبح جيشنا السيبراني هو خط الدفاع الأول والأخير عن كيان الوطن ومقدرات أبنائه، حاملًا على عاتقه أمانة المسؤولية التي وضعها جلالة الملك شباب الأردن، ومترجمًا ثقته المطلقة بأن المواطن الأردني هو السند الحقيقي وصانع المجد.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com