الرئيسية / كتاب فيلادلفيا / البروفيسور محمد ربيع: الإقتصاد العربي.. أزمة اقتصاد أم أزمة إدارة اقتصادية

البروفيسور محمد ربيع: الإقتصاد العربي.. أزمة اقتصاد أم أزمة إدارة اقتصادية

فيلادلفيا نيوز

البروفيسور محمد ربيع

يمر الاقتصاد العربي بأزمة تتفاوت حدتها بين دولة وأخرى، ما جعل معدلات النمو تتراجع في كافة الدول العربية، ومعدلات البطالة ترتفع، خاصة بين الشباب. ولقد جاءت تلك الأزمة في أعقاب إصابة الاقتصاد الأمريكي بأزمة بنوك ومال وعقارات أحدثت أصداء واسعة في مختلف بلاد العالم، ما جعلها تؤثر سلباً على مجمل الأداء الاقتصادي في أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وغيرها من دول العالم مثل روسيا واليونان واسبانيا وغيرها. ويُلاحظ المراقب أن الدول التي طالتها أزمة البنوك والمال والعقار التي وقعت في عام 2008، ترتبط باقتصاديات أمريكا أو باقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي بروابط تجارية واستثمارية وبنكية هامة.

ودون الدخول في تفاصيل تلك الأزمة وأسبابها، يمكن القول أنها بدأت باتجاه البنوك الأمريكية وبيوت الاستثمار إلى التلاعب في سوق العقار. ولقد أخذ التلاعب أشكالا مختلفة، كان أبرزها تقديم قروض مالية لأشخاص لم تكن بإمكانهم تسديد الدفعات الشهرية والفوائد المستحقة عليها بانتظام، وتشجيعهم على شراء البيوت بتقديم عروض تمويل بنسب فوائد متدنية لفترات قصيرة، يتبعها رفع تلك النسب بعد 3-5 سنوات. وحين بدأت نسب الفوائد ترتفع، كانت النتيجة مضاعفة الدفعات الشهرية تقريبا؛ الامر الذي نتج عنه إفلاس ملايين المُقترضين، وقيام البنوك ومؤسسات الاقراض بالاستيلاء على بيوتهم وبيعها. لكن اللعبة هذه كانت أكبر من البنوك ومؤسسات الاقراض؛ إذ مع بدء عمليات إفلاس المقترضين دخلت أمريكا ومؤسسات الإقراض والبنوك المتورطة في تلك اللعبة في أزمة مالية واقتصادية طاحنة تسببت في انكماش الاقتصاد الأمريكي وافلاس عدد من المؤسسات المالية الكبيرة في أمريكا، وانتقال العدوى لعدة دول أوروبية مثل اليونان واسبانيا والبرتغال.

ولما كانت البنوك ومؤسسات الاقراض تعي خطورة أفعالها، فإنها قامت بتجميع أعداد كبيرة من البيوت التي مولتها في حزم استثمارية، وبيع تلك الحزم في السوق العالمي على شكل “منتجات مالية”. وفي ضوء توفر السيولة لدى الكثير من بنوك أوروبا، فإن معظم البنوك الكبيرة استثمرت في المنتجات المالية الأمريكية، ما جعلها تتعرض للإزمة التي تحولت بسرعة إلى ركود اقتصادي كبير شمل العديد من دول العالم، وفي مقدمتها أمريكا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي. وفيما قامت امريكا بانقاذ بنوكها وعدة شركات صناعية وخدمية كبيرة، قامت دول اوروبا الرئيسية بانقاذ بنوكها كذلك بمساعة البنك المركزي الأوروبي. ولما كان الهدف الرئيسي هو انقاذ الينوك، فإن عمليات الانقاذ جاءت على حساب المتقاعدين وصغار المدخرين وبعض الدول الأوروبية الفقيرة، كان من بينها اليونان واسبانيا والبرتغال وايرلنده وقبرص.

وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن اليونان حصلت على معونات مالية وقروض بلغت نحو 400 بليون دولار خلال الفترة 2010-2015، إلا ان أوضاعها الاقتصادية استمرت في التدهور حتى يومنا هذا. إذ فيما تتجاوز نسبة البطالة 23% من القوى العاملة، تبلغ بين الشباب 45%. وفيما كان حجم الاقتصاد يساوي 355 بليون دولار عام 2008، أي عام وقوع الأزمة المالية، انخفض إلى 195 بليون دولار عام 2016، ما يعني أن الناتج القومي الإجمالي لليونان تقلص بنسبة 45% خلال 8 سنوات، وفيما كان حجم الديون 262 بليون يورو عام 2010، بلغ 323 بليون يورو عام 2015. ونتيجة التطورات هذه، انخفضت مداخيل الأفقر 20% من السكان بنسبة 42% خلال الفترة 2010-2015.

من ناحية ثانية، هناك مجموعة من الدول لم تصبها الأزمة مثل الصين وكوريا الجنوبية والهند، إذ استمرت اقتصادياتها في النمو، وإن شهدت معدلات النمو بعض التراجع لسنة أو سنتين. ويعود السبب الرئيسي لنجاح تلك الدول في تجنب أزمة الركود الكبير إلى كبر حجم اقتصاد كل منها وقدرته على التوسع الداخلي، وعدم تورط بنوكها في عمليات الإقراض العقاري وتجارة المنتجات المالية، وذلك على الرغم من اعتمادها الكبير على التصدير إلى السوق الأمريكي وأسواق أوروبا.

لو قارنا أوضاع تلك الدول بأوضاع الدول العربية، فسوف نلاحظ أن البنوك العربية لم تتورط في أزمة العقار الأمريكية أو الأوروبية، وأنها تجنبت مصيدة الاستثمار في المنتجات المالية. من ناحية ثانية، لا تصدر غالبية الدول العربية سلعة ذا قيمة كبيرة من شأنها أن تؤثر في مستويات العمالة إذا تراجعت صادراتها، فالسلعة الرئيسية التي يصدرها العرب هي البترول، وأن سعر البترول والطلب عليه ارتفع في أعقاب الأزمة، وذلك بسبب استمرار توسع الاقتصاد الصيني والهندي بشكل أساسي. إضافة إلى ذلك كانت الدول العربية الرئيسية المصدرة للنفط وما تزال تتمتع بفائض مالي كبير. إذن لماذا دخل الاقتصاد العربي في أزمة ركود طويلة؟ ولماذا لم يخرج منها حتى اليوم وقد مضى على وقوعها نحو 9 سنوات؟

الجواب على السؤال هذا بسيط: فأزمة الاقتصاد العربي ليست أزمة مالية أو عقارية، وإنما أزمة فكر اقتصادي وإدارة اقتصادية؛ إذ يبدو أن النخبة العربية المتحكمة في السياسة والاقتصاد قررت أن التبعية للغرب عامة ولأمريكا خاصة هي طريق النجاح اقتصاديا، وأفضل الذرائع لتبرير القصور والفشل الذاتي؛ الامر الذي جعل التبعية لا تقتصر على النواحي المالية والاقتصادية، وإنما تتجاوزها لتشمل النواحي السياسية والأمنية. لكن التبعية لا تتيح للتابع، مهما كان حجم سكانه وثرواته الماليه، أن يخرج من أزمة مالية دخلها طواعية؛ إذ يشير التاريخ إلى ان التابع يجد نفسه وقد ازداد غرقا في ظلمات التبعية مع تتابع السنين. ولما كانت التبعية تعكس ضعف الإرادة وضعف الوعي وضحالة العلم في بعض القضايا، فقد اصبح مستقبل العرب، شعوبا واقتصادا وأمنا، في مهب الرياح.

في عام 2014 قامت أمريكا في عهد أوباما بالضغط على الدول العربية المصدرة للنفط وحملها على خفض الأسعار، ليس خدمة لمصلحة عربية أو امريكية أو إنسانية، وإنما لالحاق أكبر ضرر ممكن بثلاث دول: روسيا وايران وفنزويلا. ولما كان من الصعب على التابع أن يرفض طلبا للمتبوع، فإن فائض دول مجلس التعاون الخليجي الذي بلغ 362 مليار دولار في عام 2013، انخفض إلى 214 مليار في عام 2014؛ الأمر الذي تسبب في خسارة تلك الدول 148 مليار دولار عام 2014 مقارنة بعام 2013. وفي عام 2015 تحول الفائض إلى عجز بلغ 74 مليار دولار؛ الأمر الذي جعل تلك الدول تخسر 362+74 = 436 مليار دولار في عام 2015 وحده. وهكذا يكون مجموع خسائر دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام ونصف تقريبا 584 مليار دولار. ماذا كان للأموال هذه أن تفعل لو استثمرت بطرق سليمة في بلاد العرب؟ الجواب على هذا السؤال يقع ضمن التخيلات والأحلام التي حرم على العرب أن يفكروا فيها منذ زمن بعيد.

طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.