الرئيسية / بورتريه / أحمد الطراونة .. «اليد الأمينة التي حرست الدستور»

أحمد الطراونة .. «اليد الأمينة التي حرست الدستور»

فيلادلفيا نيوز 
 
عندما يتصدر الإنسان المواقع الفكرية أو التشريعية أو الثقافية، ويتولى المناصب السياسية العليا، ويشارك في صنع القرارات التي تترك أثرها وتفاعلاتها على صعيد الأداء الوطني، وعندما تتاح له ظروف حياتية تؤهله لتقديم منافع جليلة لبلده تضاف إلى حصيلة الجهد العام عندها يأتي الحديث عن شخصية مرجعية من رجالات الرعيل الأول، الذين رسموا صورة مشرقة لكوكبة من رجالات الأردن الأوفياء الذين رافقوا الهاشميين منذ تأسيس إمارة شرق الأردن، إنهم رجالاً استشرفوا المستقبل وإن كنا نكرمهم بقراءة سير حياتهم فإننا نحيي قيماً وأخلاقاً كانت عنوان رجالات الأردن الكبار، هكذا هي الأرض الأردنية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها من يسير فيها يستنشق عبق الماضي وتجلياته وعند ذكر سير رجالات الرعيل الأول يرجع بنا الزمن إلى تلك الأيام والساعات فنعيشها مع الآف الذكريات التي تركها الأشخاص المعنيين.

وعند الحديث عن واحد من أبرز رجالات الرعيل الأول وصفه من عايشه بأنه حارس الدستور أو رجل الدستور الأول أو دستور في رجل ورجل في دستور، ندرك أننا نعني بالحديث السيد أحمد الطراونة والذي أمضى نصف قرن من عمره في المواقع القضائية والتشريعية والإدارية، والسياسية المتقدمة، وأبرز ما يميز أحمد الطراونة هو اعتماده الدستور كمرجعية أولى وأخيرة للفصل والعقد والحل، فهو حارس الدستور بامتياز، واليد الأمنية التي أخذت على عاتقها مهمة حملة وفتحه عندما تختلط الأوراق وتستجد الحوادث.

رجل القانون الأول والمشرع القانوني صاحب المواقف الجريئة التي ثبت عندها فكان أحد الرجال الصادقين الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون المواقع التي تنقلوا بها. 

ولد أحمد باشا الطراونة في مدينة الكرك التي عُرفت على الدوام برفد الوطن بالرجال الأشاوس الذي يفتخر سجل الشرف بأسمائهم بين طياته عام 1920 حيث كانت مضارب الطراونة في قرية أسمها رجم اصخري وتحولت الآن إلى الحسينية في منطقة المزار الجنوبي، وحول ولادته ونشأته تحدث أحمد الطراونة في مذكراته قائلاً: «ولدت في مدينة الكرك سنة 1920 وكنت بكر والدي وكان والدي من المتعلمين القلائل الذين درسوا في المدرسة الرشيدية في الكرك وأصبح موظفاً في الحكومة ولذلك فقد عاش في مدينة الكرك طيلة حياته بينما عاشت العائلة مع بقية أفراد العشيرة عيشة البداوة والقرية في آن واحد».

وقد وصف حياته في البادية قائلاً: عشت كما يعيش باقي أفراد العشيرة حياة البداوة بما فيها من حسنات وبما فيها من شظف العيش وكان لذلك النمط من الحياة الأثر الأكبر في نفسي عندما انتقلت فيما بعد على المدينة وعشت بنعيمها وترفها فقد أعطتني البادية الرضا بالقليل وتحمل المصاعب والمتاعب والمناعة في الجسم وفي النفس والإيمان بالحرية والأمل في المستقبل لمواجهة الصعوبات لتحقيق ذلك الأمل فلا حياة مع اليأس.

تلقى السيد أحمد الطراونة أساسيات القراءة والكتابة في مدرسة الشيخ سليمان العرف الذي ينتقل مع القبيلة في الحل والترحال ويُدرِّس الطلاب في «شق» أحد البيوت هناك فيكون الطلاب جالسين على الأرض في حلقة تبدأ وتنتهي عنده ويكتبون على لوح من الصفيح بقلم من القصب، وكان يعلمهم الحروف الأبجدية وما تيسر من القرآن الكريم وحول ذلك تحدث السيد أحمد الطراونة في مذكراته قائلاً: «بعد الانتهاء من تعلم الحروف الأبجدية نتعلم القرآن الكريم ومبادئ الحساب وكلما ختمنا جزءاً من القرآن الكريم أقيمت حفلة صغيرة لمن ختم الجزء وكنا نستعير حبراً لنضعه على ثيابنا ليميزنا عن الذين لا يتعلمون، كان مع الشيخ عصاه الطويلة التي تصل إلى أبعد طالب وبجانبه «الفلقة» وهي أشهر من أن تعرّف ولما بلغ سن السابعة أخذه والده إلى المدينة لكي يدخله المدرسة وكانت هذه الخطوة ثاني منحى تحول في حياته فالأول كان وفاة والدته وهو طفلاً صغيراً حيث نشأ يتيم الأم حينها كفلته جدته لوالده بالرعاية والاهتمام والتحول الثاني والهام في حياته هو انتقاله من البادية إلى المدينة وحول ذلك تحدث السيد أحمد الطراونة في مذكراته قائلاً: «كان ذلك تحولاً مهماً في حياتي لم أتقبله بسهولة لأن نمط الحياة قد تغير تغييراً جذرياً في المسكن والملبس وفقدت رفاق الصبا وأصبحت غريباً في مجتمعي الجديد حبيس الجدران في البيت والمدرسة وأنا الذي تعود الحرية المطلقة والأفق الفسيح في مضارب العشيرة».

كانت مدرسة الكرك إلى الصف الثامن، انتقل بعدها السيد أحمد الطراونة إلى مدرسة السلط حيث أنهى الصفين التاسع والعاشر وحصل على شهادة (المترك) الدراسة الثانوية ثم طلبته الحكومة للوظيفة ولكنه اعتذر وذلك لكونه يرغب في اكمال دراسته الجامعية حيث كان أول طالب مسلم في محافظة الكرك يحصل على شهادة جامعية هي ليسانس من معهد الحقوق في الجامعة السورية سنة 1942م، وحول دراسته الجامعية تحدث أحمد الطراونة فقال: «كان الحصول على مقعد في الجامعة سهلاً وكنت موفقاً في دراستي وكنت الأول في سنوات الجامعة الثلاثة، وكان الأردن بحاجة إلى قضاة جامعيين فما أن وصلت إلى عمان ونزلت في فندق فلسطين حتى جاءني صاحب الفندق –وهو عودة صوالحة – وأخبرني أن مدير العدلية يرغب في مقابلتي فور وصولي وفي اليوم الثاني كنت في وزارة العدل وعينت قاضياً تحت التدريب واستلمت العمل فوراً وعملت في عمان عشرين يوماً انتدبت بعدها قاضياً لصلح الطفيلة ثم تم تثبيتي قاضياً للصلح واستمر عملي أربع سنوات كاملة.

ومن هناك بدأت معاناته القاضي الذي يعيش محترماً للقانون معلياً لرايته، عاش في ذلك المجتمع يطبق القانون محافظاً على استقلاله فاعتمد الدستور مرجعية أولى وأخيرة في جميع القضايا التي واجهته فكان على الدوام اليد الأمينة التي حرست الدستور، وتلتجئ إليه عندما تختلط الأوراق وتسجد القضايا فتعلم من القضاء أن يستند في قراراته إلى القانون والتقاليد والإحساس بالعدالة وحسن استقبال صاحب الحاجة والإصغاء إليه جيداً واستيعاب ما يقول ليس لأنه ليس بإمكان الإنسان القدرة على الإفصاح عن قضية إن لم يكن لديه الوقت الكافي لشرحها.

رفض السيد أحمد الطراونة التدخل في القضاء من قبل أي جهة كانت ولا يقبل إلا الجهة التي من حقها أن تراجع قراراته، وفي هذا الميدان ورد في مذكرات أحمد الطراونة حادثة كانت لها دلالة كبرى على مدى احترامه لاستقلال القضاء فقد جاء أحد رجال السلطة التنفيذية ليفتش على قضية من قضاياه فرفض ذلك وقال أن هناك استقلالاً يحمي القضاة من تدخل أي جهة، وإذا شئت أرسل التفتيش من وزارة العدل، وعندما جاء التفتيش وجد أن ما قام به معالي أبو هشام سليماً وصحيحاً، وفي ذلك ما يدل على احترامه لاستقلاليته، وكما ورد في مدونة قواعد السلوك القضائي في المادة الأولى، التي قدرها المجلس القضائي أن على القاضي أن يصون استقلاله بذاته، وأن ينأى بنفسه عن قبول أي تدخل أو مراجعة من السلطات الأخرى التي ينظرها، وأن يتذكر أن لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون وفي هذا إعلاء لراية القانون الذي كان يحترمه والذي قضى حياته لأجله، هذا وقد رفع أبو هشام منذ بداية عمله قاضياً في الطفيلة ميزان القانون وتحمل من أجل الالتزام به إحراجات وافتراءات كثيرة من بعض الأشخاص الذين لم يكن يروق لهم هدوء أبو هشام واستقلاليته وتطبيقه للقانون فكانوا يدفعون ببعض الأشخاص للشكوى عليه وكثيراً ما أشار لذلك في مذكراته، ولكنه ظل يذكرنا بمعنى الحفاظ على هيبة الدولة، والحفاظ على هيبة القضاء الذي ينتمي له، ومن هنا بدأت نشأته في تكوين شخصيته القانونية رغم ظروفه الحالكة التي عاشها في طفولته ثم أوجاع المرض الذي عايشه منذ بداية حياته لكنه وقف قوي الشكيمة لا تأخذه لا في المرض ولا في أي شيء سمة من سمات الضعف.

دخل السيد أحمد الطراونة عالم السياسة والدبلوماسية من أوسع أبوابه حين اقترح عليه سمو الأمير عبد الله بن الحسين آنذاك ممارسة الدبلوماسية السياسية حيث كان نائباً عن محافظة الكرك لعدة مرات ونال ثقة زملائه في المجلس حيث أصبح رئيساً له لثلاث دورات، وعلى صعيد المشاركة في الحكومات فقد كان أحمد الطراونة واحداً من أبرز وزراء عصره، فبمصماته واضحة في كل حقيبة كان قد استلمها، فكانت أول وزارة يديرها هي وزارة العدل في حكومة السيد سعيد المفتي عام 1950 ليصبح ثاني أصغر وزير أردني، ويسجل له خلال فترة عمله في هذه الوزارة نشر الطمأنينة في قلوب المواطنين والموظفين وعاد الأمان لأصحاب الحقوق الضائعة وفي عام 1951 كان أحمد باشا الطراونة أحد العشرة أعضاء الذين أخذوا على عاتقهم مهمة صياغة دستور الأمة وفعلاً نجح وزملائه بصياغة دستور المملكة الأردنية الهاشمية لعام 1952 والذي يعد من أفضل الدساتير في العالم، وشارك السيد أحمد الطراونة في حكومات عدة للسيد توفيق أبو الهدى في وزارتي الزراعة والمواصلات.

هذا وقد تحدث أبو هشام عن شخصية السيد توفيق أبو الهدى خلال سنوات عملهما معاً فقال: «كان السيد أبو الهدى حازماً دائماً ولجانب الشرعية الدستورية والقانون، وكان دقيقاً في اتخاذ القرارات لا يعتمد على الذاكرة صارماً مع الموظفين وتعامل مع وزرائه بيد من حديد في قفاز من حرير».

كما وشارك السيد أحمد الطراونة في حكومة السيد إبراهيم هاشم في تعديل وزاري بتاريخ 22/ 10/ 1957 كوزير للتربية والتعليم وفي حكومة سمير الرفاعي بتاريخ 18/ 5/ 1958 كوزير للتربية والتعليم ثم عين وزيراً للمالية ثم وزيراً للدفاع وشارك في حكومة بهجت التلهوني في تعديل أُجري عليها في تشرين الثاني عام 1961 كوزير للعدلية والدفاع وأخيراً في حكومة أحمد اللوزي في 21/ 8/ 1972 كنائب للرئيس ووزير للداخلية.

ومن الجدير بالذكر أن السيد أحمد الطراونة كان أحد أعضاء الهيئة النيابية على وصاية العرش حيث انتقل الحكم وولاية العهد إلى جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال ولم يكن حينها قد وصل السن القانوني ليحكم المملكة الأردنية الهاشمية.

شغل السيد أحمد الطراونة منصب رئيس الديوان الملكي الهاشمي لمرتين الأولى عام 1960 إلى 1962، والثانية من عام 1970 إلى 1972، وكان عضواً في المجلس الوطني الأستشاري ورئيساً له لدورتين ورئيساً لمجلس الأعيان عام 1983م وعضواً في مجلس الأعيان لعدة مرات ورئيساً لسلطة وادي الأردن ورئيساً لديوان الموظفين.

وخلال فترة عمله الدبلوماسي السياسي تقلد السيد أحمد الطراونة كثيراً من الأوسمة أبرزها وسام الاستقلال ووسام النهضة.

عُرف المرحوم أبو هشام بولائه المطلق للعرش الهاشمي وانتماؤه الحقيقي للأردن وعند الحديث عن الدستور فقد كان أبو هشام موسوعة دستوري يلتزم بالدستور نصاً وروحاً يحفظ الدستور عن ظهر قلب، يحفظ كل مادة برقمها ونصها ومضمونها وأصلها وحيثياتها ويقارنها مع المواد المماثلة في الدساتير العالمية الأخرى، كان المرحوم أبو هشام مرناً يستمع باهتمام للرأي الآخر ويقبل الحوار إلا فيما يتعلق بالدستور فلا يوجد مجال للمناقشة فيه. 

كان المرحوم أحمد باشا الطراونة شخصية قومية وحدوية بإمتياز تجسد ذلك من خلال أفكاره التي كان دائماً ينادي بها عدا عن ذلك فقد كان دستورياً صبوراً صاحب حنكة، حوارياً لا يوجد له خصومات فعندما كان في المجلس الوطني الاستشاري كان يردد دائماً: «أحمد اللوزي صديقي ورفيقي لأبعد الحدود لكنه عدوي في مجلس الأعيان» وقد وضح دولة السيد أحمد اللوزي هذه المقولة لأن أحمد اللوزي آنذاك كان رئيساً لمجلس الأعيان وطرحه للقضايا لم يكن ينال إعجاب أحمد باشا الطراونة وتكرر الأمر ذاته مع الشهيد هزاع المجالي فكانا من أقرب الأشخاص لبعضهم البعض وكانا يعملان في نفس مكتب المحاماة اللذان اشتركا على تأسيسه رغم تناقض الأفكار بين الطرفين فكان الشهيد هزاع المجالي مع الحزب الإشتراكي الوطني أما أحمد الطراونة فكان مع الحزب الوطني الدستوري.

هكذا كان أبو هشام كبيراً في كل شيء، كان منفتحاً يحب الحوار ويتمتع بروح مرحة، حديثة لبقاً وشيقاً ويحلل الأمور بشكل علمي وموضوعي وهادئ، لا يخشى في الحق لومة لائم يعبر عن رأيه وقناعاته بصراحة ووضوح وجرأة وشجاعة بغض النظر عن النتائج.

رحم الله أحمد الطراونة أبو هشام رحمة واسعة هو وجميع رجالات الرعيل الأول الأوفياء والمخلصين أصحاب الهمم العالية الذي سيذكرهم التاريخ على الدوام ويفتخر بهم.

 
( الدستور _  د. محمد محمود العناقرة )
طباعة الصفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنويه
• تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ " فيلادلفيا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.